شبـــاب العمـــــار
إضغط دخول وإدخل فورا
وإلا إعرف إن الفيسبوك هو اللي منعك
واحشتونا والله

شبـــاب العمـــــار


 
الرئيسيةالتسجيلس .و .جالمجموعاتدخول


شاطر | 
 

 الدولة العثمانية -عوامل النهوض وأسباب السقوط- د/علي محمد محمد الصلابي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عبدالعظيم الجزار
عماري أصيل
عماري أصيل
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 503
العمر : 44
المكان : العمار الكبرى
الحالة : بحب العمار وأهل العمار
الهواية : القراءة
تاريخ التسجيل : 05/03/2008
التـقــييــم : 0

مُساهمةموضوع: الدولة العثمانية -عوامل النهوض وأسباب السقوط- د/علي محمد محمد الصلابي   الجمعة 06 مايو 2011, 9:51 am

تمهيد
لم يتورع المؤرخون الأوروبيون واليهود والنصارى والعلمانيون الحاقدون بالهجوم على تاريخ الدولة العثمانية، فأستخدموا أساليب، الطعن والتشويه والتشكييك فيما قام به العثمانيون من خدمة للعقيدة والاسلام، وسار على هذا النهج الباطل أغلب المؤرخين العرب بشتى انتماءاتهم واتجاهاتهم، القومية ، والعلمانية، وكذلك المؤرخون الأتراك الذين تأثروا بالتوجه العلماني الذي تزعمه مصطفى كمال، فكان من الطبيعي أن يقوموا بإدانة فترة الخلافة العثمانية، فوجدوا فيما كتبه النصارى واليهود ثروة ضخمة لدعم تحولهم القومي العلماني في تركيا بعد الحرب العالمية الأولى.
كان الموقف من التاريخ العثماني بالنسبة للمؤرخ الأوربي بسبب تأثره بالفتوحات العظيمة التي حققها العثمانيون، وخصوصاً بعد أن سقطت عاصمة الدولة البيزنطية (القسطنطينية) وحولها العثمانيون دار إسلام واطلقوا عليها اسلام بول (أي دار الاسلام) ، فتأثرت نفوس الأوربيين بنزعة الحقد والحقد والمرارة المورثة ضد الاسلام فأنعكست تلك الأحقاد في كلامهم وافعالهم ، وكتابتهم وحاول العثمانيون مواصلة السير لضم روما الى الدولة الاسلامية ومواصلة الجهاد حتى يخترقوا وسط اوروبا ويصلوا الى الاندلس لإنقاذ المسلمين فيها، وعاشت أوروبا في خوف وفزع وهلع ولم تهدأ قلوبهم إلا بوفاة السلطان محمد الفاتح.

وكان زعماء الدين المسيحي من قساوسة ورهبان وملوك يغذون الشارع الأوروبي بالأحقاد والضغائن ضد الاسلام والمسلمين ، وعمل رجال الدين المسيحي على حشد الأموال والمتطوعين لمهاجمة المسلمين (الكفرة على حد زعمهم) البرابرة، وكلما انتصر العثمانيون على هذه الحشود ازدادت موجة الكره والحقد على الاسلام وأهله، فأتهم زعماء المسيحيين العثمانيين بالقرصنة، والوحشية والهمجية، وعلقت تلك التهم في ذاكرة الأوروبيين.
لقد كانت الهجمات الأعلامية المركزة من زعماء المسيحية بسبب الحفاظ على مكاسبهم السياسية والمادية، وكرههم للإسلام وأهله، وبالفعل استطاعت بعض الاسر الحاكمة في أوروبا أن يتربعوا على صدور المجتمعات الأوروبية في الحكم فترة زمنية طويلة، وحققوا مكاسب ضخمة فأثروا ثراء كبير ونصبوا حول أنفسهم هالة كبيرة اعتمدت في مجملها على الضلال والتضليل .
ومع أن المجتمعات الأوروبية ثارت على هذه الفئات، بعد أن اكتشفت ضلالها وتضليلها، مع بداية عصر النهضة ، وبداية مرحلة جديدة في التاريخ الأوروبي، إلا أنه لم يستطع وجدان المجتمع الاوروبي أن يتخلص من تلك الرواسب الموروثة من هذه الفئات تجاه العالم الاسلامي بشكل عام وتجاه الدولة العثمانية بشكل خاص. ولذلك اندفعت قواتهم العسكرية المدعومة بحضارته المادية للإنتقام من الاسلام والمسلمين، ونزع خيراتهم بدوافع دينية واقتصادية وسياسية وثقافية ، وساندهم كتابهم ومؤرخوهم، للطعن والتشويه والتشكيك في الاسلام وعقيدته وتاريخه، فكان نصيب الدولة العثمانية من هذه الهجمة الشرسة كبير.
وشارك اليهود الأوروبيون بأقلامهم المسمومة، وأفكارهم المحمومة في هذه الهجمات المتواصلة ضد الدولة العثمانية خصوصاً والاسلام عموماً، وازداد عداء اليهود للدولة العثمانية بعد أن فشلت كافة مخططاتهم في اغتصاب أي شبر من أراضي هذه الدولة لإقامة كيان سياسي لهم طوال أربعة قرون هي عمر الدولة العثمانية السنية، استطاع اليهود بمعاونة الصليبية والدول الاستعمارية الغربية ومن خلال محافلهم الماسونية أن يحققوا أهدافهم على حساب الأنظمة القومية التي قامت في العالم الغربي والاسلامي والتي وصفت نفسها بالتقدمية والتحضر واتهمت الخلافة العثمانية على طول تاريخها بالتخلف والرجعية والجمود والانحطاط وغير ذلك واعتبرت المحافل الماسونية ، والمنظمات الخفية التابعة لليهود والقوى العالمية المعادية للاسلام والمسلمين أن مسألة تشويه الفترة التاريخية للدولة العلية العثمانية من أهم أهدافها.
أما المؤرخون العرب في العالم الاسلامي فقد ساروا في ركب الاتجاه المهاجم لفترة الخلافة العثمانية مدفوعين الى ذلك بعدة أسباب يأتي في مقدمتها إقدام الاتراك بزعامة "مصطفى آتاتورك" على إلغاء الخلافة الاسلامية في عام 1924م، وأعقب ذلك إقدام الحكومة العلمانية التركية بالتحول الكامل الى المنهج العلماني في الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية على حساب الشريعة الاسلامية التي ظلت سائدة في تركيا منذ قيام الدولة العثمانية ، وتحالفت هذه الحكومة مع السياسة الأوروبية المعادية للدول الاسلامية والعربية، واشتركت سلسلة الاحلاف العسكرية الأوروبية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، والتي رفضتها الشعوب العربية الاسلامية وبعض حكوماتها ، وقد كانت تركيا من أوائل الدول التي اعترفت بقيام الكيان السياسي الاسرائيلي في فلسطين عام 1948م مما جعل الشعوب العربية الاسلامية تندفع خلف حكوماتها القومية، بعد غياب الدولة العثمانية التي كانت تجاهد كل من تسول له نفسه بالاعتداء على شبر من أراضي المسلمين.
ويأتي سبب التبعية البحثية لمدرسة التاريخ العربي لتاريخ المنهجية الغربية كعامل هام في الاتجاه نحو مهاجمة الخلافة العثمانية ، خصوصاً بعد التقاء وجهات النظر بين المؤرخين الأوروبيين المؤرخين العرب حول تشويه الخلافة الاسلامية العثمانية.
ولقد تأثر كثير من مؤرخين العرب بالحضارة الأوروبية المادية، ولذلك اسندوا كل ماهو مضيء في تاريخ بلادهم الى بداية الاحتكاك بهذه الحضارة البعيدة كل البعد عن المنهج الرباني، واعتبروا بداية تاريخهم الحديث من وصول الحملة الفرنسية على مصر والشام وما أنجزته من تحطيم جدار العزلة بين الشرق والغرب، وما ترتب عليه بعد ذلك من قيام الدولة القومية في عهد محمد علي في مصر، وصحب ذلك اتجاهم لإدانة الدولة العثمانية التي قامت بالدفاع عن عقيدة الشعوب الاسلامية ودينها واسلامها من الهجمات الوحشية التي قام بها الأوروبيون النصارى.
لقد احتضنت القوى الأوروبية الاتجاه المناهض للخلافة الاسلامية وقامت بدعم المؤرخين والمفكرين في مصر والشام الى تأصيل الاطار القومي وتعميقه من أمثال البستاني واليازجي وجورج زيدان وأديب اسحاق وسليم نقاش وفرح انطوان وشبلي شميل وسلامة موسى وهنري كورييل وهليل شفارتز وغيرهم، ويلاحظ ان معظمهم من النصارى واليهود، كما أنهم في أغلبهم إن لم يكونوا جميعاً من المنتمين الى الحركة الماسونية التي تغلغلت في الشرق الاسلامي منذ عصر محمد علي والتي كانت بذورها الاولى مع قدوم نابليون في حملته الفرنسية.
لقد رأى اعداء الأمة الاسلامية أن دعم التوجه القومي والوقوف مع دعاته كفيل بتضعيف الأمة الاسلامية والقضاء على الدولة العثمانية.
واستطاعت المحافل الماسونية أن تهيمن على عقول زعماء التوجه القومي في داخل الشعوب الاسلامية، وخضع أولئك الزعماء لتوجيه المحافل الماسونية أكثر من خضوعهم لمطالب شعوبهم وبخاصة موقفها من الدين الاسلامي الذي يشكل الإطار الحقيقي لحضارة المسلم وثقافته وعلومه ولم يتغير هذا المنهج المنحرف لدى المؤرخين العرب بشكل عام بعد قيام الانقلاب العسكري في مصر سنة 1952م، حيث اتجهت الحكومة العسكرية في مصر منذ البداية، والتفت حولها أغلب الحكومات العسكرية الى دعم التوجه القومي، كما أن معظم هذه الحكومات ارتكزت على أسس اكثر علمانية في كافة الجوانب بما في ذلك الجانب الثقافي والفكري، فنظروا الى الخلافة العثمانية والحكم العثماني للشعوب الاسلامية والعربية بأنه كان غزواً واحتلالاً، واسندوا إليه كافة عوامل التخلف والضعف والجمود والانحطاط التي ألمت بالعالم العربي الأسلامي، واعتبروا حركات الانشقاق والتمرد التي قامت ابان الفترة العثمانية، والتي كان دافعها الاطماع الشخصية، أو مدفوعة من القوى الخارجية المعادية للخلافة الاسلامية ، اعتبروها حركات استقلالية ذات طابع قومي كحركة علي بك الكبير في مصر، والقرمانليين في ليبيا، وظاهر العمر في فلسطين، والحسينيين في تونس، والمعنيين والشهابيين في لبنان، وغير ذلك من أجل تأصيل الاتجاه القومي الذي طرحوه. بل زعموا أن محمد علي كان زعيماً قومياً حاول توحيد العالم العربي ، وأنه فشل بسبب أنه لم يكن عربي الجنس، وتناسوا أن محمد علي كان ذا أطماع شخصية، جعلته يرتبط بالسياسة الاستعمارية التي دعمت وجوده، وحققت به أهدافها الشريرة من ضرب الدولة السعودية السلفية ، واضعاف الخلافة العثمانية ، ومساندته المحافل الماسونية في ضرب القوى الاسلامية في المنطقة وتهيئتها بعد ذلك للاحتلال الغربي المسيحي الحاقد لقد تحالفت المحافل اليهودية الماسونية مع القوى الإستعمارية الغربية والقوى المحلية العميلة التي أمكن تطويعها من خلال أطماعها، والتقوا جميعاً في تدمير القوة الإسلامية ومصادرة حريات شعوبها وسلب خيراتها وإقامت حكم ديكتاتوري مدعوم بالسلاح الغربي الحديث وهو ما مثله محمد علي وقد شارك بعض المؤرخين السلفيين في المشرق العربي في الهجوم على الفترة العثمانية مدفوعين إلى ذلك بالرصيد العدائي الذي خلّفه دور الخلافة العثمانية ضد الدعوة السلفية في عديد من مراحلها بسبب مؤامرات الدول الغربية الإستعمارية التي دفعت السلاطين العثمانيين بالصدام بالقوة الإسلامية في نجد قلب الدعوة السلفية وكذلك لمساندة الخلافة للإتجاه الصوفي وبما يصاحبه من مظاهر تخل بالجوانب الأساسية للشريعة الإسلامية، فضلا عن أن دولة الخلافة في سنواتها الأخيرة قد سيطر عليها دعاة القومية التركية الذين ابتعدوا بها عن الالتزام بالمنهج الإسلامي الذي تميزت به الدولة العثمانية لفترات طويلة في تاريخها وشجع كافة المسلمين بالإرتباط بها وتأييدها والوقوف معها.
وأما المؤرخون الماركسيون فقد شنوا حرباً لاهوادة فيها على الدولة العثمانية واعتبروا فترة حكمها تكريساً لسيادة النظام الإقطاعي الذي هيمن على تاريخ العصور الوسطى السابقة، وأن العثمانيين لم يُحدثوا أي تطور في وسائل أو قوى الإنتاج، وأن التاريخ الحديث يبدأ بظهور الطبقة البورجوازية ثم الرأسمالية التي أسهمت في إحداث تغيير في الجوانب الإقتصادية والإجتماعية في بداية القرن التاسع عشر، والتقوا في ذلك مع المؤرخين الأوربيين من أصحاب الإتجاه الليبرالي وكذلك مع أصحاب المنظور القومي وقام بعض المؤرخين والمفكرين من النصارى واليهود بترويج للإتجاهين الغربي والماركسي بواسطة التأليف والترجمة لمؤلفاتهم، والذي ساندته المحافل الماسونية، حيث أنهم حاولوا أن يبتعدوا عن أي من الأطر الإسلامية الوحدوية مفضلين عليها الدعوة القومية بمفهومها المحلي أو العربي، كمشروع الهلال الخصيب في الشام أو مشروع وحدة وادي النيل بين مصر والسودان فضلاً عن نشاطهم في ترويج الإتجاهات القومية المحدودة كالدعوة إلى الفرعونية في مصر، والآشورية في العراق، والفينيقية في الشام..الخ.
وأما المؤرخون الأتراك الذين برزوا في فترة الدعوة القومية التركية فقد تحاملوا كثيراً على فترة الخلافة العثمانية سواء لمجاراة الاتجاه السياسي والفكري الذي ساد بلادهم والذي حمّل الفترة السابقة كافة جوانب الضعف والانهيار أو لتأثر الاتراك بالموقف المشين الذي بدت عليه سلطة الخلافة والتي اصبحت شكلية بعد الإطاحة بالسلطان عبدالحميد سنة 1909م حيث انهزمت في معارك متعددة عندما دخلت الحرب العالمية الأولى وترتب على تلك الخسائر ضياع كثير من أراضيها وتسليمها بتوقيع معاهدة سيفر سنة 1918م ، والذي في حقيقته هزيمة لرجال الاتحاد والترقي ، ونتيجة لسياستها، في حين استطاعت الحركة القومية بزعامة مصطفى كمال أن تنقذ تركيا من هذه الإهانة وتستعيد الكثير من الاراضي التركية وتجبر اليونان والقوى التي تساندها ، الى جانب تأثر المفكرين الأتراك بموقف بعض العرب الذين ساندو الحلفاء الغربيين إبان الحرب الأولى ضد دولة الخلافة وإعلان الثورة عليها سنة 1916م وبرغم تفاوت الأسباب وتباينها ألا أن كثير من المؤرخين ألتقوا على تشويه وتزوير تاريخ الخلافة الاسلامية العثمانية، لقد اعتمد المؤرخون الذين عملوا على تشويه الدولة العثمانية على تزوير الحقائق، والكذب والبهتان والتشكيك والدس ولقد غلبت على تلك الكتب والدراسات طابع الحقد الاعمى، والدوافع المنحرفة، بعيدة كل البعد عن الموضوعية، وأدى ذلك الى ظهور رد فعل اسلامي للرد على الإتهامات والشبهات التي وجهت للدولة العثمانية ولعل من أهمها وأبرزها تلك الكتابة المستفيضة التي قام بها الدكتور عبدالعزيز الشناوي في ثلاثة مجلدات ضخمة تحت عنوان "الدولة العثمانية دول اسلامية مفترى عليها" وبرغم الجهد الذي بذله ودافعه الاسلامي ، والموضوعية التي اتسم بها هذا العمل في أغلبه، إلا أنه لم يعالج كافة جوانب التاريخ العثماني وعليه بعض الملاحظات مثل حديثه عن حقيقة الإنكشارية والتي لاتثبت أمام البحث العلمي النزيه، ومن الجهود المشكورة في هذا الميدان ما قام به الباحث الكبير والاستاذ الشهير المتخصص في تاريخ الدولة العثمانية الدكتور محمد حرب الذي كتب للأمة الاسلامية بعض الكتب القيمة مثل؛ العثمانيون في التاريخ والحضارة، السلطان محمد الفاتح فاتح القسطنطينية وقاهر الروم، والسلطان عبدالحميد آخر السلاطين العثمانيين الكبار، ومن الأعمال القيمة في تاريخ الدولة العثمانية ماقدمه الدكتور موفق بني المرجة كرسالة علمية لنيل درجة الماجستير تحت عنوان "صحوة الرجل المريض أو السلطان عبدالحميد" أو الخلافة الاسلامية واستطاع هذا الكتاب أن يبين كثير من الحقائق المدعومة بالوثائق والحجج الدامغة وغير ذلك من الكتاب المعاصرين إلا أن هناك جوانب في تاريخ الخلافة العثمانية وفي تأريخنا الاسلامي في العصر الحديث تحتاج الى إعادة النظر من منظور اسلامي يساهم في إبراز الحقائق، والتئام تلك الشروخ التي نتجت عن صياغة تاريخنا من منظور قومي علماني خدم أعداءنا في المقام الاول واستخدموه كوسيلة من وسائلهم في تمزيق الشعوب الاسلامية.
وعلينا عندما نكتب التاريخ الحديث أن نبين ونظهر دور المحافل الماسونية والمخططات الغربية في توجيه هذه الصياغة التاريخية الخبيثة والتي يقوم بها مجموعة من عملاء اليهود والنصارى من أدعياء المنهج الليبرالي والعلماني حيث يقومون بإبراز العناصر الماسونية على الساحة التاريخية ووضعم في دور الحركة الماسونية في الوقوف مع حركات التحرر.
إن التاريخ الاسلامي القديم والحديث علم مستهدف من قبل كل القوى المعادية للاسلام بإعتباره الوعاء العقدي والفكري والتربوي في بناء وصياغة هوية الشعوب الاسلامية
وهذه محاولة متواضعة للبحث في التاريخ العثماني في عمومه وتهتم بدور الخلافة العثمانية في الشمال الافريقي ، وتمتد هذه الدراسة الى الجذور القديمة التي قامت عليها الدولة العثمانية الى أن سقطت الخلافة على يد العميل الأنجليزي والملحد الكبير مصطفى كمال وفي ثنايا هذه الدراسة يتعرض الباحث لأسباب القوة العثمانية وأسباب ضعفهم ، وصفات رجالهم وسلاطينهم الأقوياء، واهتمامهم بالعلماء وتطبيق شرع الله وجهادهم العظيم لنشر الاسلام والدفاع عن دياره ضد الحملات الصليبية التي لا تنتهي ، ويلتزم الكاتب بمنهج أهل السنة عند عرض الاحداث محاولاً أن يتقيد بالعدل والإنصاف عند الحكم على الأحداث لعله يساهم في تصحيح الكثير من الأحكام والمفاهيم الخاطئة التي ألمت بالدولة الاسلامية العثمانية والله من وراء القصد وهو الهادي الى الصراط المستقيم.

( ).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عبدالعظيم الجزار
عماري أصيل
عماري أصيل
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 503
العمر : 44
المكان : العمار الكبرى
الحالة : بحب العمار وأهل العمار
الهواية : القراءة
تاريخ التسجيل : 05/03/2008
التـقــييــم : 0

مُساهمةموضوع: رد: الدولة العثمانية -عوامل النهوض وأسباب السقوط- د/علي محمد محمد الصلابي   الجمعة 06 مايو 2011, 9:55 am

الفصل الأول
جذور الأتراك وأصولهم
المبحث الأول
أصل الأتراك ومواطنهم

في منطقة ماوراء النهر والتي نسميها اليوم (تركستان) والتي تمتد من هضبة منغوليا وشمال الصين شرقاً الى بحر الخزر (بحر قزوين) غرباً، ومن السهول السيبرية شمالاً الى شبه القارة الهندية وفارس جنوباً، استوطنت عشائر الغز( ) وقبائلها الكبرى تلك المناطق وعرفوا بالترك أو الأتراك( ).
ثم تحركت هذه القبائل في النصف الثاني من القرن السادس الميلادي، في الانتقال من موطنها الأصلي نحو آسيا الصغرى في هجرات ضخمة. وذكر المؤرخون مجموعة من الأسباب التي ساهمت في هجرتهم؛ فالبعض يرى أن ذلك بسبب عوامل اقتصادية ، فالجدب الشديد وكثرة النسل، جعلت هذه القبائل تضيق ذرعاً بمواطنها الأصلية، فهاجرت بحثاً عن الكلاء والمراعي والعيش الرغيد( ) والبعض الآخر يعزوا تلك الهجرات لأسباب سياسية حيث تعرضت تلك القبائل لضغوط كبيرة من قبائل اخرى أكثر منها عدداً وعدة وقوة وهي المغولية، فأجبرتها على الرحيل، لتبحث عن موطن آخر وتترك أراضيها( ) بحثاً عن نعمة الأمن والاستقرار وذهب الى هذا الرأي الدكتور عبداللطيف عبدالله بن دهيش( ).
واضطرت تلك القبائل المهاجرة أن تتجه غرباً، ونزلت بالقرب من شواطئ نهر جيحون ، ثم استقرت بعض الوقت في طبرستان، وجرجان( )، فأصبحوا بالقرب من الأراضي الاسلامية والتي فتحها المسلمون بعد معركة نهاوند وسقوط الدولة الساسانية في بلاد فارس سنة 21هـ/641م( ).
اتصالهم بالعالم الاسلامي:
في عام 22هـ/642م تحركت الجيوش الاسلامية الى بلاد الباب لفتحها وكانت تلك الأراضي يسكنها الاتراك، وهناك ألتقى قائد الجيش الاسلامي عبدالرحمن بن ربيعة بملك الترك شهربراز، فطلب من عبدالرحمن الصلح وأظهر استعداده للمشاركة في الجيش الاسلامي لمحاربة الأرمن ، فأرسله عبدالرحمن الى القائد العام سراقة بن عمرو، وقد قام شهر براز بمقابلة سراقة فقبل منه ذلك، وكتب للخليفة عمر بن الخطاب  يعلمه بالأمر، فوافق على مافعل، وعلى إثر ذلك عقد الصلح، ولم يقع بين الترك والمسلمين أي قتال، بل سار الجميع الى بلاد الأرمن لفتحها ونشر الاسلام فيها( ).
وتقدمت الجيوش الاسلامية لفتح البلدان في شمال شرق بلاد فارس حتى تنتشر دعوة الله فيها، بعد سقوط دولة الفرس أمام الجيوش الاسلامية والتي كانت تقف حاجزاً منيعاً أمام الجيوش الاسلامية في تلك البلدان، وبزوال تلك العوائق، ونتيجة للفتوحات الاسلامية ، أصبح الباب مفتوحاً أمام تحركات شعوب تلك البلدان والاقاليم ومنهم الاتراك فتم الاتصال بالشعوب الاسلامية، واعتنق الاتراك الاسلام، وانضموا الى صفوف المجاهدين لنشر الاسلام وإعلاء كلمة الله( ).
وفي عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان  تم فتح بلاد طبرستان، ثم عبر المسلمون نهر جيحون سنة 31هـ، ونزلوا بلاد ماوراء النهر، فدخل كثير من الترك في دين الاسلام، وأصبحوا من المدافعين عنه والمشتركين في الجهاد لنشر دعوة الله بين العالمين( ).
وواصلت الجيوش الاسلامية تقدمها في تلك الاقاليم فتم فتح بلاد بخارى في عهد معاوية بن أبي سفيان  وتوغلت تلك الجيوش المضفرة حتى وصلت سمرقند، وما أن ظهر عهد الدولة الاسلامية حتى صارت بلاد مارواء النهر جميعها تحت عدالة الحكم الاسلامي وعاشت تلك الشعوب حضارة إسلامية عريقة( ).
وازداد عدد الأتراك في بلاط الخلفاء والأمراء العباسيين وشرعوا في تولي المناصب القيادية والادارية في الدولة؛ فكان منهم الجند والقادة والكتاب. وقد ألتزموا بالهدوء والطاعة حتى نالوا أعلى المراتب.
ولما تولى المعتصم العباسي الخلافة فتح الأبواب أمام النفوذ التركي وأسند إليهم مناصب الدولة القيادية وأصبحوا بذلك يشاركون في تصريف شؤون الدولة، وكانت سياسة المعتصم تهدف الى تقليص النفوذ الفارسي ، الذي كان له اليد المطلقة في إدارة الدولة العباسية منذ عهد الخليفة المأمون( ).
وقد تسبب اهتمام المعتصم بالعنصر التركي الى حالة سخط شديدة بين الناس والجند، فخشي المعتصم من نقمة الناس عليه، فأسس مدينة جديدة هي (سامراء) ، تبعد عن بغداد حوالي 125كم وسكنها هو وجنده وأنصاره.
وهكذا بدأ الأتراك منذ ذلك التاريخ في الظهور في أدوار هامة على مسرح التاريخ الاسلامي حتى أسسوا لهم دولة إسلامية كبيرة كانت على صلة قوية بخلفاء الدولة العباسية عرفت بالدولة السلجوقية( ).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عبدالعظيم الجزار
عماري أصيل
عماري أصيل
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 503
العمر : 44
المكان : العمار الكبرى
الحالة : بحب العمار وأهل العمار
الهواية : القراءة
تاريخ التسجيل : 05/03/2008
التـقــييــم : 0

مُساهمةموضوع: رد: الدولة العثمانية -عوامل النهوض وأسباب السقوط- د/علي محمد محمد الصلابي   السبت 07 مايو 2011, 11:28 am

المبحث الثاني
قيام الدولة السلجوقية




كان لظهور السلاجقة على مسرح الأحداث في المشرق العربي الاسلامي، أثر كبير في تغير الاوضاع السياسية في تلك المنطقة التي كانت تتنازعها الخلافة العباسية السنيّة من جهة، والخلافة الفاطمية الشيعية من جهة ثانية.

وقد أسس السلاجقة دولة تركية كبرى ظهرت في القرن الخامس للهجرة (الحادي عشر الميلادي) ، لتشمل خراسان وماوراء النهر وإيران والعراق وبلاد الشام وآسيا الصغرى. وكانت الري في إيران ثم بغداد في العراق مقر السلطنة السلجوقية، بينما قامت دويلات سلجوقية في خراسان ومارواء النهر (كرمان) وبلاد الشام (سلاجقة الشام) وآسيا الصغرى سلاجقة الروم، وكانت تتبع السلطان السلجوقي في إيران والعراق.

وقد ساند السلاجقة الخلافة العباسية في بغداد ونصروا مذهبها السنّي بعد أن أوشكت على الانهيار بين النفوذ البويهي الشيعي في إيران والعراق، والنفوذ العبيدي (الفاطمي) في مصر والشام. فقضى السلاجقة على النفوذ البويهي تماماً وتصدوا للخلافة العبيدية (الفاطمية)([ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]).

لقد استطاع طغرل بك الزعيم السلجوقي أن يسقط الدولة البويهية في عام 447هـ في بغداد وأن يقضي على الفتن وأزال من على أبواب المساجد سب الصحابة، وقتل شيخ الروافض أبي عبدالله الجلاب لغلوه في الرفض([ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]).

لقد كان النفوذ البويهي الشيعي مسيطراً على بغداد والخليفة العباسي ، فبعد أن أزال السلاجقة الدولة البويهية من بغداد ودخل سلطانهم طغرل بك الى عاصمة الخلافة العباسية استقبله الخليفة العباسي القائم بأمر الله استقبالاً عظيماً، وخلع عليه خلعة سنية، وأجلسه الى جواره، وأغدق عليه ألقاب التعظيم ، ومن جملتها أنه لقبه بالسلطان ركن الدين طغرل بك، كما أصدر الخليفة العباسي أمره بأن ينقش اسم السلطان طغرلبك على العملة، ويذكر اسمه في الخطبة في مساجد بغداد وغيرها، مما زاد من شأن السلاجقة. ومنذ ذلك الحين حل السلاجقة محل البويهيين في السيطرة على الأمر في بغداد، وتسيير الخليفة العباسي حسب إرادتهم([ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]).

كان طغرلبك يتمتع بشخصية قوية ، وذكاء حاد، وشجاعة، فائقة ، كما كان متديناً ورعاً عادلاً، ولذلك وجد تأييداً كبيراً ومناصرة عظيمة من شعبه، وقد أعد جيشاً قوياً، وسعى لتوحيد كلمة السلاجقة الأتراك في دولة قوية([ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]).

وتوطيداً للروابط بين الخليفة العباسي القائم بأمر الله، وبين زعيم الدولة السلجوقية طغرلبك، فإن الخليفة تزوج من أبنة جفري بك الأخ الأكبر لطغربك، وذلك في عام 448هـ/1059م ثم في شعبان عام 454هـ/1062م تزوج طغربك من أبنة الخليفة العباسي القائم بالله. لكن طغربك لم يعش طويلاً بعد ذلك، حيث أنه توفى ليه الجمعة لليوم الثامن من شهر رمضان عام 455هـ/ 1062م ، وكان عمره إذ ذاك سبعين عاماً، بعد أن تمت على يده الغلبة للسلاجقة في مناطق خراسان وإيران وشمال وشرق العراق([ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]).

أولاً: السلطان (محمد) الملقب ألب أرسلان أي الأسد الشجاع:

تولى ألب أرسلان زمام السلطة في البلاد بعد وفاة عمه طغرل بك، وكانت قد حدثت بعض المنازعات حول تولي السلطة في البلاد، لكن ألب أرسلان استطاع أن يتغلب عليها. وكان ألب أرسلان -كعمه طغرل بك- قائداً ماهراً مقداماً، وقد اتخذ سياسة خاصة تعتمد على تثبيت أركان حكمه في البلاد الخاضعة لنفوذ السلاجقة ، قبل التطلع الى أخضاع أقاليم جديدة، وضمها الى دولته. كما كان متلهفاً للجهاد في سبيل الله ، ونشر دعوة الاسلام في داخل الدولة المسيحية المجاورة له، كبلاد الأرمن وبلاد الروم، وكانت روح الجهاد الاسلامي هي المحركة لحركات الفتوحات التي قام بها ألب أرسلان وأكسبتها صبغة دينية، وأصبح قائد السلاجقة زعيماً للجهاد، وحريصاً على نصرة الاسلام ونشره في تلك الديار، ورفع راية الاسلام خفاقة على مناطق كثيرة من أراضي الدولة البيزنطية([ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]).

لقد بقي سبع سنوات يتفقد أجزاء دولته المترامية الأطراف، قبل أن يقوم باي توسع خارجي.

وعندما أطمئن على استباب الأمن، وتمكن حكم السلاجقة في جميع الأقاليم والبلدان الخاضعة له، أخذ يخطط لتحقيق أهدافه البعيدة، وهي فتح البلاد المسيحية المجاورة لدولته، وإسقاط الخلافة الفاطمية (العبيدية في مصر، وتوحيد العالم الاسلامي تحت راية الخلافة العباسية السنيّة ونفوذ السلاجقة، فأعد جيشاً كبيراً أتجه به نحو بلاد الأرمن وجورجيا، فافتتحها وضمها الى مملكته، كما عمل على نشر الاسلام في تلك المناطق([ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]). وأغار ألب أرسلان على شمال الشام وحاصر الدولة المرداسية في حلب، والتي أسسها صالح بن مرداس على المذهب الشيعي سنة 414هـ/1023م وأجبر أميرها محمود بن صالح بن مرداس على إقامة الدعوة للخليفة العباسي بدلاً من الخليفة (الفاطمي/ العبيدي سنة 462هـ/1070م)([ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]). ثم أرسل قائده الترك أتنسز بن أوق الخوارزمي في حملة الى جنوب الشام فأنتزع الرملة وبيت المقدس من يد (الفاطميين) العبيديين ولم يستطيع الاستيلاء على عسقلان التي تعتبر بوابة الدخول الى مصر، وبذلك أضحى السلاجقة على مقربة من قاعدة الخليفة العباسي والسلطان السلجوقي داخل بيت المقدس([ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]).

وفي سنة 462هـ ورد رسول صاحب مكة محمد بن أبي هاشم الى السلطان يخبره بإقامة الخطبة للخليفة القائم وللسلطان وإسقاط خطبة صاحب مصر (العبيدي) وترك الأذان بـ (حي على العمل) فأعطاه السطان ثلاثين ألف دينار وقال له : إذا فعل أمير المدينة كذلك أعطيناه عشرين ألف دينار([ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]).

لقد أغضبت فتوحات ألب أرسلان دومانوس ديوجينس امبراطور الروم، فصمم على القيام بحركة مضادة للدفاع عن امبراطوريته. ودخلت قواته في مناوشات ومعارك عديدة مع قوات السلاجقة، وكان أهمها معركة (ملاذكرد) في عام 463هـ الموافق أغسطس عام 1070م([ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]) قال ابن كثير: (وفيها أقبل ملك الروم ارمانوس في جحافل أمثال الجبال من الروم والرخ والفرنج، وعدد عظيم وعُدد ، ومعه خمسة وثلاثون ألفاً من البطارقة، مع كل بطريق مائتا ألف فارس، ومعه من الفرنج خمسة وثلاثون ألفاً، ومن الغزاة الذين يسكنون القسطنطينية خمسة عشر ألفاً ، ومعه مائة ألف نقّاب وخفار([ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط])، وألف روزجاري، ومعه أربعمائة عجلة تحمل النعال والمسامير، وألفا عجلة تحمل السلاح والسروج والغرادات والمناجيق، منها منجنيق عدة ألف ومائتا رجل، ومن عزمه قبحه الله أن يبيد الاسلام وأهله، وقد أقطع بطارقته البلاد حتى بغداد، واستوصى نائبها بالخليفة خيراً، فقال له : ارفق بذلك الشيخ فانه صاحبنا، ثم إذا استوثقت ممالك العراق وخراسان لهم مالوا على الشام وأهله ميلة واحدة، فاستعادوه من أيدي المسلمين ، والقدر يقول : {لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون} (سورة الحجر: الآية : 72). فالتقاه السلطان ألب أرسلان في جيشه وهم قريب من عشرين ألفاً، بمكان يقال له الزهوة، في يوم الأربعاء لخمس بقين من ذي القعدة، وخاف السلطان من كثرة جند الروم، فأشار عليه الفقيه ابونصر محمد بن عبدالملك البخاري بأن يكون وقت الوقعة يوم الجمعة بعد الزوال حين يكون الخطباء يدعون للمجاهدين ، فلما كان ذلك الوقت وتواقف الفريقان وتواجه الفئتان ، نزل السطان عن فرسه وسجد لله عزوجل ، ومرغ وجهه في التراب ودعا الله واستنصره، فأنزل نصره على المسلمين ومنحهم اكتافهم فقتلوا منهم خلقاً كثيراً، وأسر ملكهم ارمانوس، أسره غلام رومي، فلما أوقف بين يدي الملك ألب أرسلان ضربه بيده ثلاثة مقارع وقال : لو كُنت أنا الأسير بين يديك ماكنت تفعل؟ قال : كل قبيح، قال فما ظنك بي؟ فقال: إما أن تقتل وتشهرني في بلادك، وإما أن تعفو وتأخذ الفداء وتعيدني. قال : ماعزمت على غير العفو والفداء. فأفتدى منه بألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار. فقام بين يدي الملك وسقاه شربة من ماء وقبل الأرض بين يديه، وقبل الأرض الى جهة الخليفة إجلالاً وإكراماً، وأطلق له الملك عشرة ألف دينار ليتجهز بها، وأطلق معه جماعة من البطارقة وشيعه فرسخاً، وأرسل معه جيشاً يحفظونه الى بلاده، ومعهم راية مكتوب عليها لا إله إلا الله محمد رسول الله،....)([ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]).

لقد كان نصر ألب أرسلان بجيشه الذي لم يتجاوز خمسة عشر ألف محارب على جيش الامبراطور دومانوس الذي بلغ مائتي ألف، حدثاً كبيراً، ونقطة تحول في التاريخ الاسلامي لأنها سهلت على اضعاف نفوذ الروم في معظم أقاليم آسيا الصغرى، وهي المناطق المهمة التي كانت من ركائز وأعمدة الامبراطورية البيزنطية. وهذا ساعد تدريجياً للقضاء على الدولة البيزنطية على يد العثمانيين.

لقد كان ألب أرسلان رجلاً صالحاً أخذ بأسباب النصر المعنوية والمادية، فكان يقرب العلماء ويأخذ بنصحهم وما أروع نصيحة العالم الرباني أبي نصر محمد بن عبدالملك البخاري الحنفي، في معركة ملاذكرد عندما قال للسلطان ألب أرسلان: إنك تقاتل عن دين وعدالله بنصره واظهاره على سائر الاديان. وأرجو أن يكون الله قد كتب باسمك هذا الفتح فالقهم يوم الجمعة في الساعة التي يكون الخطباء على المنابر، فإنهم يدعون للمجاهدين.

فلما كان تلك الساعة صلى بهم، وبكى السلطان ، فبكى الناس لبكائه، ودعا فأمنوا، فقال لهم من أراد الإنصراف فلينصرف، فما ههُنا سلطان يأمر ولا ينهى. وألقى القوس والنشاب ، واخذ السيف، وعقد ذنب فرسه بيده، وفعل عسكره مثله، ولبس البياض وتحنط وقال: إن قتلت فهذا كفني([ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]) الله أكبر على مثل هؤلاء ينزل نصر الله.

وقتل هذا السلطان على يد أحد الثائرين واسمه يوسف الخوارزمي وذلك يوم العاشر من ربيع الأول عام 465هـ الموافق 1072م ودفن في مدينة مرو بجوار قبر أبيه فخلفه أبنه ملكشاه([ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]).





[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]([1]) انظر: السلاطين في المشرق العربي ، د. عصام محمد شبارو، ص171.


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]([2]) انظر: أيعيد التاريخ نفسه ، محمد العبده ، ص67.


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]([3]) انظر: قيام الدولة العثمانية ، ص19.


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]([4]) المصدر السابق، ص17.


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]([5]) انظر: تاريخ الدولة العلية العثمانية، محمد فريد بك ، ص25.


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]([6]) انظر: قيام الدولة العثمانية ، ص20.


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]([7]) انظر: قيام الدولة العثمانية، ص20.


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]([8]) انظر: السلاطين في المشرق العربي ، د.عصام محمد ، ص25.


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]([9]) انظر: مرآة الزمان لسبط بن الجوزي، ص161.


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]([10]) انظر: أيعيد التاريخ نفسه، محمد العبده ، ص68.


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]([11]) المصدر السابق نفسه، ص20.


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]([12]) النقاب والخفار: من ينقب ومن يحفر.


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]([13]) البداية والنهاية (12/108).


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]([14]) انظر : تاريخ الاسلام للذهبي ، حوادث ووفيات 461،470، ص2.


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]([15]) انظر: قيام الدولة العثمانية، ص21.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محمدعبدالرحمن
مشرف المنتدى الاسلامي
مشرف المنتدى الاسلامي
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 1645
العمر : 38
المكان : مكان ما يكونوا
الحالة : متزوج + 2
الهواية : أحلم ببكرة
تاريخ التسجيل : 21/03/2010
التـقــييــم : 18

مُساهمةموضوع: رد: الدولة العثمانية -عوامل النهوض وأسباب السقوط- د/علي محمد محمد الصلابي   السبت 07 مايو 2011, 12:31 pm

السلام عليكم

موضوع رائع

متابع معك يا هندسة

لي عودة بعد 3 ايام للإنشغال بالعمل

الموضوع شيق وجميل

نحتاج لمناقشة كل كلمة فيه

_________________________
قـال الامـام العلـم ابن القـيم جوزيـه:
ان سألـوك عـن شيخـــــــك فقـل شيــــــخى رســــول اللــــــــــــــــه
وان سألـوك عـن جماعتـــــــك فقـل هــــــو سماكــــم المسلمـــــــين
وان سألـوك عن منهجـــــك فقـل الكتـاب والسنـه بفهـم سـلف الامـه
وان سألـوك عـن بيتـك فقـل الا إن بيـوت اللـه فـى الارض المساجـد
وان سألـوك عـن لباســـــــك فقـل ولبـــــاس التقــــــوى ذلـك خــــير


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
كَادَ الْأَدَبِ يَكُوْنُ ثُلُثَيْ الدَّيْنِ
مِنْ أَقْوَالِ ابْنُ مُبَارَكٍ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عبدالعظيم الجزار
عماري أصيل
عماري أصيل
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 503
العمر : 44
المكان : العمار الكبرى
الحالة : بحب العمار وأهل العمار
الهواية : القراءة
تاريخ التسجيل : 05/03/2008
التـقــييــم : 0

مُساهمةموضوع: رد: الدولة العثمانية -عوامل النهوض وأسباب السقوط- د/علي محمد محمد الصلابي   السبت 07 مايو 2011, 6:02 pm

(( لقد كان ألب أرسلان رجلاً صالحاً أخذ بأسباب النصر المعنوية والمادية، فكان يقرب العلماء ويأخذ بنصحهم وما أروع نصيحة العالم الرباني أبي نصر محمد بن عبدالملك البخاري الحنفي، في معركة ملاذكرد عندما قال للسلطان ألب أرسلان: إنك تقاتل عن دين وعدالله بنصره واظهاره على سائر الاديان. وأرجو أن يكون الله قد كتب باسمك هذا الفتح فالقهم يوم الجمعة في الساعة التي يكون الخطباء على المنابر، فإنهم يدعون للمجاهدين.

فلما كان تلك الساعة صلى بهم، وبكى السلطان ، فبكى الناس لبكائه، ودعا فأمنوا، فقال لهم من أراد الإنصراف فلينصرف، فما ههُنا سلطان يأمر ولا ينهى. وألقى القوس والنشاب ، واخذ السيف، وعقد ذنب فرسه بيده، وفعل عسكره مثله، ولبس البياض وتحنط وقال: إن قتلت فهذا كفني .... الله أكبر على مثل هؤلاء ينزل نصر الله.))


 


ما أجمل صفات هذا القائد المسلم :


- رجلا صالحاً


- يأخذ بأسباب النصر ( المعنوية والمادية)


- يقرب العلماء ويأخذ بنصحهم .

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
احمد فتحي
شــاعـر عمـاري
شــاعـر عمـاري
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 1683
العمر : 35
المكان : بينكم
الحالة : متزوج
الهواية : الشعر -القراءة
تاريخ التسجيل : 18/10/2008
التـقــييــم : 2

مُساهمةموضوع: رد: الدولة العثمانية -عوامل النهوض وأسباب السقوط- د/علي محمد محمد الصلابي   الأحد 08 مايو 2011, 2:32 pm


متابعين ان شاء الله
هذه الحلقات الزاخرة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
a7med maher
عماري محترف
عماري محترف
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 3526
العمر : 26
المكان : العمار
الحالة : مرتبط
الهواية : ر
تاريخ التسجيل : 02/08/2008
التـقــييــم : 5

مُساهمةموضوع: رد: الدولة العثمانية -عوامل النهوض وأسباب السقوط- د/علي محمد محمد الصلابي   الأحد 08 مايو 2011, 8:51 pm

متااااااااااااااااااااااااااابع

_________________________



أبتسمت عندما لم أحصل علي ما أريد وفهمت .. ان الله يريد لي ان أحصل علي اكثر مما أريد فصبرت وأبتسمت من جديد


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
M7md Sbry
مشرف منتدي أخر روقان
مشرف منتدي أخر روقان
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 4261
العمر : 27
المكان : بلدى
الحالة : ربنا يسهـــــــــــل
الهواية : ______________
تاريخ التسجيل : 09/06/2007
التـقــييــم : 1

مُساهمةموضوع: رد: الدولة العثمانية -عوامل النهوض وأسباب السقوط- د/علي محمد محمد الصلابي   الإثنين 09 مايو 2011, 2:37 am

متباع معاك

اصل الواحد بيحب التاريخ قوووووووووووى

_________________________


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

قليل من الحقيقة وقليل من الخيال .. !

ينبت في القلب أملاً يزدهر مع الأيام !



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.facebook.com/?ref=logo#!/
عبدالعظيم الجزار
عماري أصيل
عماري أصيل
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 503
العمر : 44
المكان : العمار الكبرى
الحالة : بحب العمار وأهل العمار
الهواية : القراءة
تاريخ التسجيل : 05/03/2008
التـقــييــم : 0

مُساهمةموضوع: رد: الدولة العثمانية -عوامل النهوض وأسباب السقوط- د/علي محمد محمد الصلابي   الإثنين 09 مايو 2011, 8:50 pm


شيء من أخلاق السلطان ألب أرسلان:

(كان رحيم القلب، رفيقاً بالفقراء وكثير الدعاء بدوام ما أنعم الله عليه، اجتاز يوماً بمرو على فقراء الخرائسين ، فبكى، وسأل الله تعالى أن يغنيه من فضله وكان يكثر الصدقة ، فيتصدق في رمضان بخمسة عشر الف دينار، وكان في ديوانه اسماء خلق كثير من الفقراء في جميع ممالكه، عليهم الإدرارات والصلات، ولم يكن في جميع بلاده جناية ولا مصادرة، قد قنع من الرعايا بالخراج الأصلي يؤخذ منهم كل سنة دفعتين رفقاً بهم)([ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]).

كتب إليه بعض السعاة في شأن وزيره نظام الملك وذكروا ماله في ممالكه فاستدعاه فقال : خذ إن كان هذا صحيحاً فهذب أخلاقك وأصلح أحوالك، وإن كان كذبوا فأغفر له زلته، الحرص على حفظ مال الرعايا، بلغ أن غلاماً من غلمانه أخذ إزاراً لبعض أصحابه فصلبه فارتدع سائر المماليك خوفاً من سطوته([ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]).

وكان كثيراً مايُقرأ عليه تواريخ الملوك وآدابهم، وأحكام الشريعة، ولمّا اشتهر بين الملوك حُسن سيرته، ومحافظته على عهوده، أذعنوا له بالطاعة والموافقة بعد الامتناع، وحضروا عنده من أقاصي ماوراء النهر الى أقاصي الشام([ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]).









[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]([1]) الكامل لابن الأثير (6/252).


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]([2]) انظر : البداية والنهاية (12/114).


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]([3]) الكامل لابن الأثير (6/253).


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محمدعبدالرحمن
مشرف المنتدى الاسلامي
مشرف المنتدى الاسلامي
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 1645
العمر : 38
المكان : مكان ما يكونوا
الحالة : متزوج + 2
الهواية : أحلم ببكرة
تاريخ التسجيل : 21/03/2010
التـقــييــم : 18

مُساهمةموضوع: ض   الجمعة 13 مايو 2011, 3:16 pm

عبدالعظيم الجزار كتب:
قال ابن كثير: (وفيها أقبل ملك الروم ارمانوس في جحافل أمثال الجبال من الروم والرخ والفرنج، وعدد عظيم وعُدد ، ومعه خمسة وثلاثون ألفاً من البطارقة، مع كل بطريق مائتا ألف فارس، ومعه من الفرنج خمسة وثلاثون ألفاً، ومن الغزاة الذين يسكنون القسطنطينية خمسة عشر ألفاً ، ومعه مائة ألف نقّاب وخفار([ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط])، وألف روزجاري، ومعه أربعمائة عجلة تحمل النعال والمسامير، وألفا عجلة تحمل السلاح والسروج والغرادات والمناجيق، منها منجنيق عدة ألف ومائتا رجل، ومن عزمه قبحه الله أن يبيد الاسلام وأهله، وقد أقطع بطارقته البلاد حتى بغداد، واستوصى نائبها بالخليفة خيراً، فقال له : ارفق بذلك الشيخ فانه صاحبنا، ثم إذا استوثقت ممالك العراق وخراسان لهم مالوا على الشام وأهله ميلة واحدة، فاستعادوه من أيدي المسلمين ، والقدر يقول : {لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون} (سورة الحجر: الآية : 72). فالتقاه السلطان ألب أرسلان في جيشه وهم قريب من عشرين ألفاً، بمكان يقال له الزهوة، في يوم الأربعاء لخمس بقين من ذي القعدة، وخاف السلطان من كثرة جند الروم، فأشار عليه الفقيه ابونصر محمد بن عبدالملك البخاري بأن يكون وقت الوقعة يوم الجمعة بعد الزوال حين يكون الخطباء يدعون للمجاهدين ، فلما كان ذلك الوقت وتواقف الفريقان وتواجه الفئتان ، نزل السطان عن فرسه وسجد لله عزوجل ، ومرغ وجهه في التراب ودعا الله واستنصره، فأنزل نصره على المسلمين ومنحهم اكتافهم فقتلوا منهم خلقاً كثيراً، وأسر ملكهم ارمانوس، أسره غلام رومي، فلما أوقف بين يدي الملك ألب أرسلان ضربه بيده ثلاثة مقارع وقال : لو كُنت أنا الأسير بين يديك ماكنت تفعل؟ قال : كل قبيح، قال فما ظنك بي؟ فقال: إما أن تقتل وتشهرني في بلادك، وإما أن تعفو وتأخذ الفداء وتعيدني. قال : ماعزمت على غير العفو والفداء. فأفتدى منه بألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار. فقام بين يدي الملك وسقاه شربة من ماء وقبل الأرض بين يديه، وقبل الأرض الى جهة الخليفة إجلالاً وإكراماً، وأطلق له الملك عشرة ألف دينار ليتجهز بها، وأطلق معه جماعة من البطارقة وشيعه فرسخاً، وأرسل معه جيشاً يحفظونه الى بلاده، ومعهم راية مكتوب عليها لا إله إلا الله محمد رسول الله،....)([ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]).

لقد كان نصر ألب أرسلان بجيشه الذي لم يتجاوز خمسة عشر ألف محارب على جيش الامبراطور دومانوس الذي بلغ مائتي ألف، حدثاً كبيراً، ونقطة تحول في التاريخ الاسلامي لأنها سهلت على اضعاف نفوذ الروم في معظم أقاليم آسيا الصغرى، وهي المناطق المهمة التي كانت من ركائز وأعمدة الامبراطورية البيزنطية. وهذا ساعد تدريجياً للقضاء على الدولة البيزنطية على يد العثمانيين
.


سبحان الله مهندس عبد العظيم لقد كانت معركة ملاذكرد صفحة مضيئة من صفحات التاريخ الإسلامي

يقول دكتور راغب السرجاني في كتاب الحروب الصليبية




القائد الإسلامي الفذُّ ألب أرسلان،[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
الذي غيَّر كثيرًا من سياسة السلاجقة في آسيا الصغرى، حيث أصبحت
تستهدف البقاء والسيطرة على الأراضي البيزنطية والأرمينية، وأدى ذلك إلى نشوب
معركة كبرى بين السلاجقة والدولة البيزنطية،
وذلك في سنة (463هـ) 1071م، وهي معركة ملاذكرد (مانزكرت)، وهي
من أقوى المعارك في تاريخ المسلمين، حيث استطاع
السلاجقة بقيادة ألب أرسلان وبجيش قوامه
عشرون ألفًا فقط، أن يهزموا جيش الدولة البيزنطية المكوَّن من أكثر من مائتي ألف
جندي بقيادة رومانوس الرابع إمبراطور الدولة
البيزنطية.

وكان جيش الدولة البيزنطية مكوَّنًا من خليط من
الجنود البيزنطيين والجنود النورمان الإيطاليين المرتزقة،
وكذلك من جنود غربيين مرتزقة، إضافةً إلى فرق من
التركمان الآسيويين، وقد سُحِق الجيش البيزنطي في هذه المعركة، وقُتل منه عشرات
الآلاف، وأسر رومانوس
الرابع
نفسه، وتمَّ
فداؤه بمليون دينار، إضافةً إلى إطلاق سراح كل
أسرى المسلمين لدى الدولة البيزنطية[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]؛ وانهارت الدولة البيزنطية في منطقة آسيا الصغرى،
وأصبح دورها في حماية البوابة الشرقية لأوربا دورًا مشكوكًا فيه










[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط] ابن كثير: البداية والنهاية 12/90،89.






[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط] ابن الأثير: الكامل في التاريخ 8/389،388.









وذكر في موقع المعرفة الإلكتروني عن المعركة:

لم يجد قيصر الروم بدًا من الهجوم على جيش ألب أرسلان بعد أن فشلت خطته
في تطويق الجيش الإسلامي؛ فخرج بجيوشه الجرارة التي ضمت أخلاطًا من الروس
والبلغاريين واليونانيين والفرنسيين إلى المنطقة التي يعسكر فيها جيش
السلاجقة في "ملاذكرد"، وكان جيش ألب أرسلان صغيرًا إذا ما قُورِنَ بجيش
القيصر، الذي يبلغ عدده مائتي ألف جندي، ويفوقه أسلحة وعتادًا.
أسرع ألب أرسلان بقواته الصغيرة، واصطدم بمقدمة الجيش الرومي
الهائل، ونجح في تحقيق نصر خاطف، يحقق له التفاوض العادل مع القيصر؛ لأنه
كان يدرك أن قواته الصغيرة لا قِبَل لها بمواجهة هذا الجيش العظيم، غير أن
القيصر رفض دعوة ألب أرسلان إلى الصلح والهدنة، وأساء استقبال مبعوثه؛
فأيقن ألب أرسلان ألاَّ مفرَّ له من القتال، بعد أن فشلت الجهود السلمية في
دفع الحرب؛ فعمد إلى جنوده يشعل في نفوسهم رُوح الجهاد، وحب الاستشهاد،
والصبر عند اللقاء، ووقف الإمام "أبو نصر محمد بن عبد الملك البخاري" يشد
من أزر السلطان، ويقول له: "إنك تقاتل عن دين وعد الله بنصره، وإظهاره على
سائر الأديان، وأرجو أن يكون الله تعالى قد كتب باسمك هذا الفتح".
وحين دنت ساعة اللقاء صلَّى بهم الإمام أبو نصر البخاري، وبكى
السلطان؛ فبكى الناس لبكائه، ودعا، ودعوا معه، ولبس البياض وتحنَّط وقال:
"إن قُتِلت فهذا كفني"، والتقى الفريقان، وحمل المسلمون على أعدائهم حملة
صادقة، وأبلوا بلاءً حسنًا، وهجموا عليهم في جرأة وشجاعة، وأمعنوا فيهم
قتلاً وتجريحًا، وما هي إلا ساعة من نهار حتى انكشف غبار المعركة عن جثث
الروم تملأ ساحة القتال، ووقع قيصر الروم "[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]" أسيرًا في أيديهم، وحلَّت الهزيمة بهذا الجيش الجبَّار في (ذي القعدة 463هـ = أغسطس 1071م
).



ويذكر أن رومانوس كان أول قيصر يأسر في تاريخ الدولة البيزنطية وأنه إنكسرت شوكة هذه الدولة العريقة جراء هذه المعركة
الكبيرة والتي تظهر ان الله لا ينصر المسلمين لا بعدد ولا بعده
فقط وأعدوا لهم ما إستطعتم ...
ما إستطعتم
و
وما النصر إلا من عند الله

موضوع رائع
معك لنتعلم المزيد والمزيد
وجزاكم الله خيراً



_________________________
قـال الامـام العلـم ابن القـيم جوزيـه:
ان سألـوك عـن شيخـــــــك فقـل شيــــــخى رســــول اللــــــــــــــــه
وان سألـوك عـن جماعتـــــــك فقـل هــــــو سماكــــم المسلمـــــــين
وان سألـوك عن منهجـــــك فقـل الكتـاب والسنـه بفهـم سـلف الامـه
وان سألـوك عـن بيتـك فقـل الا إن بيـوت اللـه فـى الارض المساجـد
وان سألـوك عـن لباســـــــك فقـل ولبـــــاس التقــــــوى ذلـك خــــير


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
كَادَ الْأَدَبِ يَكُوْنُ ثُلُثَيْ الدَّيْنِ
مِنْ أَقْوَالِ ابْنُ مُبَارَكٍ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عبدالعظيم الجزار
عماري أصيل
عماري أصيل
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 503
العمر : 44
المكان : العمار الكبرى
الحالة : بحب العمار وأهل العمار
الهواية : القراءة
تاريخ التسجيل : 05/03/2008
التـقــييــم : 0

مُساهمةموضوع: رد: الدولة العثمانية -عوامل النهوض وأسباب السقوط- د/علي محمد محمد الصلابي   الأربعاء 18 مايو 2011, 8:53 am

شيء من أخلاق السلطان ألب أرسلان:
(كان رحيم القلب، رفيقاً بالفقراء وكثير الدعاء بدوام ما أنعم الله عليه، اجتاز يوماً بمرو على فقراء الخرائسين ، فبكى، وسأل الله تعالى أن يغنيه من فضله وكان يكثر الصدقة ، فيتصدق في رمضان بخمسة عشر الف دينار، وكان في ديوانه اسماء خلق كثير من الفقراء في جميع ممالكه، عليهم الإدرارات والصلات، ولم يكن في جميع بلاده جناية ولا مصادرة، قد قنع من الرعايا بالخراج الأصلي يؤخذ منهم كل سنة دفعتين رفقاً بهم)( ).
كتب إليه بعض السعاة في شأن وزيره نظام الملك وذكروا ماله في ممالكه فاستدعاه فقال : خذ إن كان هذا صحيحاً فهذب أخلاقك وأصلح أحوالك، وإن كان كذبوا فأغفر له زلته، الحرص على حفظ مال الرعايا، بلغ أن غلاماً من غلمانه أخذ إزاراً لبعض أصحابه فصلبه فارتدع سائر المماليك خوفاً من سطوته( ).
وكان كثيراً مايُقرأ عليه تواريخ الملوك وآدابهم، وأحكام الشريعة، ولمّا اشتهر بين الملوك حُسن سيرته، ومحافظته على عهوده، أذعنوا له بالطاعة والموافقة بعد الامتناع، وحضروا عنده من أقاصي ماوراء النهر الى أقاصي الشام( ).
ثانياً: ملكشاه وفشله في توحيد الخلافة والسلطنة:
تولى السلطنة بعد ألب أرسلان ابنه ملكشاه وعارضه عمه قاورد بن جفري حاكم سلاجقة كرمان وطالب بالسلطنة ووقع الصدام بينهما قرب همذان حيث انهزم قارود وقتل وبذلك سيطر ملكشاه على دولة سلاجقة كرمان عين عليها سلطان شاه بن ألب أرسلان سنة 465هـ/1073م.
واتسعت الدولة السلجوقية في عهد السلطان ملكشاه لتبلغ أقصى أمتداد لها من أفغانستان شرقاً الى آسيا الصغرى غرباً وبلاد الشام جنوباً، وذلك بعد أن سقطت دمشق على يد قائده أتسز سنة 468هـ/1075م، وأقيمت الدعوة للخليفة العباسي.
وأسند ملكشاه المناطق التي سيطر عليها في بلاد الشام، لأخيه تاج الدولة تتمش سنة 470هـ/1077م، وذلك من أجل متابعة الفتح. فاسس هذا الأخير دولة سلاجقة الشام كما عين ملكشاه أحد أقاربه ويدعى سليمان بن قتلمش بن اسرائيل والياً على آسيا الصغرى التي كانت تتبع بلاد الروم، لمتابعة الفتح سنة 470هـ/1077م ، فأسس هذا أيضاً دولة سلاجقة الروم( ) وقد استمرت هذه الدولة 224 سنة ، ليتعاقب على حكمها أربعة عشر من سليلة أبي الفوارس قتلمش بن اسرائيل، وكان أولهم سليمان بن قتلمش الذي يعتبر مؤسس هذه الدولة( ) وقد تمكن من فتح انطاكية سنة 477هـ/1084م ، كما تمكن أبنه داود من السيطرة على قونية سنة 480هـ/1087م ليتخذها عاصمة له. وكانت قونية من أغنى وأجمل المدن البيزنطية في آسيا الصغرى؛ وقد حولها السلاجقة من مدينة بيزنطية مسيحية الى مدينة سلجوقية اسلامية. وقد سقطت هذه الدولة على يد المغول سنة 700هـ/1300م( ) وأصبحت فيما بعد من أملاك الدولة العثمانية.
لقد كان سلاجقة الروم حريصين على تتريك آسيا الصغرى ونشر الاسلام فيها على المذهب السنّي وكانوا سبباً في نقل الحضارة الاسلامية الى تلك الأقاليم، واسقطوا الخط الدفاعي الذي كان يحمي المسيحية من أوروبا ضد الاسلام في الشرق( ).
ورغم هذه السلطنة القوية زمن ملكشاه، لم يفلح قائده أتسز في توحيد بلاد الشام ومصر، بعد أن شكل السلاجقة تهديداً فعلياً للدولة العبيدية (الفاطمية) داخل مصر.
وعندما أراد أتسز غزو مصر، حلت به الهزيمة على يد قوة من العرب، قبل مواجهة الجيش الكبير الذي أعده الوزير بدر الجمالي في رجب 469هـ/1076م، وقد أدى فشل أتسز الى مزيد من التشرذم، والتمزق السياسي والصراع الدامي، لينتهي الأمر بمقتله سنة 471هـ/1078م( ).
كذلك لم يفلح ملكشاه في جعل الخلافة العباسية تتحول الى أسرته السلجوقية ، عندما زوج ابنته الى الخليفة العباسي المقتدي بأمر الله سنة 480هـ/1087م، فرزقت منه بولد، كما زوج أبنته الأخرى الى المستظهر العباسي . ولم يتمكن من حصر الخلافة والسلطنة في شخص حفيده( ).
وفاته:
توفى السلطان ملكشاه وانتهى دور القوة والمجد (447-485هـ/1055-1092م) الذي عرفته الدولة السلجوقية في عهد السلاطين الثلاثة ، طغرل بك، وألب أرسلان، وملكشاه، لتبدأ مرحلة الضعف والصراع ولقد ظهر في زمن ألب أرسلان وملكشاه الوزير نظام الملك الذي يهمنا معرفة سيرته ودروه في قوة الدولة السلجوقية.
[justify]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عبدالعظيم الجزار
عماري أصيل
عماري أصيل
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 503
العمر : 44
المكان : العمار الكبرى
الحالة : بحب العمار وأهل العمار
الهواية : القراءة
تاريخ التسجيل : 05/03/2008
التـقــييــم : 0

مُساهمةموضوع: رد: الدولة العثمانية -عوامل النهوض وأسباب السقوط- د/علي محمد محمد الصلابي   الجمعة 20 مايو 2011, 12:17 pm

ثالثاً: نظام الملك:
قال عنه الذهبي : (الوزير الكبير، نظام الملك، قوام الدين ، أبو علي الحسن بن علي ابن إسحاق الطوسي، عاقل، سائس، خبير ، سعيد، متدين، محتشم، عامر المجلس بالقرّاء والفقهاء.
أنشأ المدرسة الكبرى ببغداد وأخرى بنيسابور ، وأخرى بطوس، ورغب في العلم، وأدرّ على الطلبة الصلات، وأملى الحديث، وبعد صيته)( ).
تنقلت به الأحوال الى أن وزر للسلطان ألب أرسلان، ثم لابنه ملكشاه، فدبر ممالكه على أتم ماينبغي، وخفف المظالم، ورفق بالرعايا، وبني الوقوف، وهاجرت الكبار الى جانبه( ).
واشار على ملكشاه بتعيين القواد والأمراء الذين فيهم خلق ودين وشجاعة وظهرت آثار تلك السياسة فيما بعد ومن هؤلاء القواد الذين وقع عليهم الاختيار آق سنقر جد نورالدين محمود، الذي ولي على حلب وديار بكر والجزيرة قال عنه ابن كثير: (من أحسن الملوك سيرة وأجودهم سريرة)( ) وقام ولده عمادالدين زنكي ببداية الجهاد ضد الصليبيين، ثم قام من بعده نور الدين محمود ، هذه الأسرة هي التي وضعت الأساس لانتصارات صلاح الدين والظاهر بيبرس وقلاوون ضد الصليبيين، وافتتحت عهد التوحيد والوحدة في العالم الاسلامي( ).
وكذلك كان آق سنقر البرسقي من قواد السلطان محمود السلجوقي، وكان أميراً للموصل، واشتغل بجهاد الصليبيين، وفي سنة 520هـ قتله الباطنيون، وهو يصلي في الجامع الكبير في الموصل. قال عنه ابن الأثير: "وكان مملوكاً تركياً خيراً، يحب أهل العلم والصالحين ويرى العدل ويفعله، وكان خير الولاة، يحافظ على الصلوات في أوقاتها، ويصلي من الليل متهجداً"( ).
ويحدثنا المؤرخ ابوشامة من آثار السلاجقة لاسيما في زمن نظام الملك: (فلما ملك السلجوقية جددوا من هيبة الخلافة ماكان قد درس لاسيما في وزارة النظام الملك، فإنه أعاد الناموس والهيبة الى أحسن حالاتها) ( ).
ضبطه لأمور الدولة:
لما تولى ملكشاه أمور الدولة انفلت أمر العسكر وبسطوا أيديهم في أموال النَّاس، وقالوا مايمنع السلطان أن يعيطنا الأموال إلا نظام الملك، وتعرض الناس لاذى شديد، فذكر ذلك نظام الملك للسلطان، فبين له ما في هذا الفعل من الضعف، وسقوط الهيبة، والوهن ، ودمار البلاد، وذهاب السياسة ، فقال له: أفعل في هذا ماتراه مصلحة! فقال له نظام الملك: مايمكنني أن افعل إلا بأمرك فقال السلطان: قد رددت الأمور كلها كبيرها وصغيرها إليك، فأنت الوالد؛ وحلف له، وأقطعه إقطاعاً زائداً على ماكان ، وخلع عليه ، ولقبه ألقاباً من جملتها : أتابك، ومعناه الأمير الوالد، فظهرت من كفايته، وشجاعته، وحسن سيرته ما أثلج صدور الناس، فمن ذلك أن امرأة ضعيفة استغاثت به، فوقف يكلمها وتكلمه، فدفعها بعض حجّابه ، فأنكر ذلك عليه وقال : إنما استخدمتك لأمثال هذه، فإن الأمراء والاعيان لاحاجة لهم إليك، ثم صرفه عن حجابته( ).
حبه للعلم واحترامه للعلماء وتواضعه:
كان يحب العلم وخصوصاً الحديث، شغوفاً به وكان يقول : إني أعلم بأني لست أهلاً للرواية ولكني أحب أن أربط في قطار( ) نقلة حديث رسول الله ( )، فسمع من القشيري ، أبي مسلم بن مهر بزد، وأبي حامد الأزهري( ).
وكان حريصاً على أن تؤدي المدارس التي بناها رسالتها المنوطة بها فعندما أرسل إليه أبو الحسن محمد بن علي الواسطي الفقيه الشافعي أبيات من الشعر يستحثه على المساعة للقضاء على الفتن التي حدثت بين الحنابلة والأشاعرة قام نظام الملك وقضى على الفتنة ومما قاله ابو الحسن الواسطي من الشعر :
يانظام الملك قد حــلّ ببغداد النظــــــام
وابنك القاطن فيهــــا مستهان مستضام
وبها أودى له قتلــــى غلام، وغــــــلام
والذي منهم تبقــــــي سالماً فيه سهــــام
ياقوام الدين لـــــــــم يبقى ببغدا مقـــام
عظُم الخطبُ وللحرب اتصـــــال ودوام
فمتى لم تحسم الــــداء أياديك الحســــام
ويكف القوم فـــــــي بغداد قتل وانتقام
فعلى مدرسة فيهــــــا ومن فيها السلام
واعتصام بحَريـــــــــم لك من بعدُ حرام( )
لقد كان مجلسه عامراً بالفقهاء والعلماء، حيث يقضي معهم جُلّ نهاره، فقيل له: (إن هؤلاء شغلوك عن كثير من المصالح، فقال: هؤلاء جمال الدنيا والآخرة، ولو أجلستهم على رأسي لما استكثرت ذلك، وكان إذا دخل عليه أبو القاسم القشيري وأبوالمعالي الجويني قام لهم وأجلسهما معه في المقعد، فإن دخل أبو علي الفارندي قام وأجلسه مكانه، وجلس بين يديه، فعوتب في ذلك فقال : إنهما إذا دخلا عليّ قال: أنت وأنت، يطروني ويعظموني، ويقولوا فيّ مالا فيّ، فأزداد بهما ماهو مركوز في نفس البشر، وإذا دخل عليّ أبوعلي الفارندي ذكرني عيوبي وظلمي ، فأنكسر فأرجع عن كثير مما أنا فيه...)( ).
قال عنه ابن الأثير: (وأما أخباره، فإنه كان عالماً، ديناً، جواداً، عادلاً، حليماً، كثير الصفح عن المذنبيين ، طويل الصمت، كان مجلسه عامراً بالقرّاء، والفقهاء، وأئمة المسلمين، وأهل الخير والصلاح...)( ).
كان من حفظة القرآن ، ختمه وله إحدى عشرة، واشتغل بمذهب الشافعي، وكان لايجلس إلا على وضوء، وما توضأ إلا تنفَّل( )، واذا سمع المؤذن أمسك عن كل ماهو فيه وتجنبه، فإذا فرغ لايبدأ بشيء قبل الصلاة وكان، إذا غفل المؤذن ودخل الوقت فأمره بالأذان ، وهذا قمة حال المنقطعين للعبادة في حفظ الاوقات، ولزوم الصلوات( )، وكانت له صلة بالله عظيمة وقال ذات مرة: رأيت ليلة في المنام إبليس فقلت له : ويحك خلقك الله وأمرك بالسجود له مشافهة فأبيت، وأنا لم يأمرني بالسجودله مشافهة وأنا أسجد له في كل يوم مرات، وأنشأ يقول:
من لم يكن للوصال أهلاً
فكلُّ إحسانه ذنوب( )
وكان يتمنى أن يكون له مسجد يعبد الله فيه، ومكفول الرزق قال في هذا المعنى : كنت أتمنىأن يكون لي قرية خالصة، ومسجد أتفرد فيه لعبادة ربي، ثم تمنيت بعد ذلك أن يكون لي رغيف كل يوم، ومسجد أعبد الله فيه( ).
ومن تواضعه انه كان ليلة يأكل الطعام، وبجانبه أخوه أبو القاسم، وبالجانب الآخر عميد خُراسان، والى جانب العميد إنسان فقير، مقطوع اليد، فنظر نظام الملك فرأى العميد يتجنب الأكل مع المقطوع، فأمره بالانتقال الى الجانب الآخر، وقرّب المقطوع إليه فأكل معه.
وكانت عادته أن يحضر الفقراء طعامه ويقربهم إليه، ويدنيهم( ).
ومن شعره:
بعد الثمانين ليس قُوة
قد ذهبت شهوة الصُّبوة
كأنني والعصا بكّفي
موسى ولكن بلا نُبُوَّة( )
وينسب إليه أيضاً:
تقوس بعد طول العُمر ظهري
وداستني الليالي أيَّ دَوْسِ
فأمسي والعصا تمشي أمامي
كأن قوامها وتر بقوسِ
وكان يتأثر بسماع الشعر فعندما دخل عليه أبوعلي القومَسَاني في مرضةٍ مرضها، يعوده فأنشأ يقول:
إذا مرضنا نوَينا كل صالحةٍ
فإن شفينا فمنا الزيغ والزَّلَلُ
نرجو الإله اذا خفنا ونسخطه
إذا أمنا فما يزكو لنا عمل
فبكى نظام الملك وقال : هو كما يقول( ).
وفاته:
في عام 485هـ من يوم الخميس، في العاشر من شهر رمضان وحان وقت الإفطار، صلىّ نظام الملك المغرب، وجلس على الِّسماط، وعنده خلق كثير من الفقهاء، والقرّاء، والصوفية، وأصحاب الحوائج، فجعل يذكر شرف المكان الذي نزلوه من أراضي نهاوند، وأخبار الوقعة التي كانت بين الفرس والمسلمين، في زمان أمير المؤمنين، عمر بن الخطاب ، ومن استشهد هناك من الاعيان ، ويقول : طوبى لمن لحق بهم.
فلما فرغ من إفطاره ، خرج من مكانه قاصداً مَضْرِب حَرَمه فبدر إليه حدث ديلميّ، كأنه مُستميح، أو مستغيث، فعلق به ، وضربه، وحمل الى مضرب الحرم.
فيقال : إنه أول مقتول قتلته الاسماعيلية (الباطنية)، فأنبث الخبر في الجيش، وصاحت الأصوات، وجاء السلطان ملكشاه حين بلغه الخبر، مظهراً الحزن، والنحيب والبكاء وجلس عند نظام الملك ساعة، وهو يجُود بنفسه، حتى مات، فعاش سعيداً ، ومات شهيداً فقيداً حميداً( ).
وكان قاتله قد تعثر بأطناب الخيمة، فلحقه مماليك نظام الملك وقتلوه.
وقال بعض خدامه: كان آخر كلام نظام الملك أن قال : لاتقتلوا قاتلي، فإني قد عفوت عنه وتشهد ومات( ).
ولما بلغ أهل بغداد موت نظام الملك حزنوا عليه، وجلس الوزير والرؤساء للعزاء ثلاثة أيام ورثاه الشعراء بقصائد، منهم مقاتل بن عطية حيث قال:
كان الوزير نظامُ الملكِ لؤلؤة
يتيمة صاغها الرحمن من شرفٍ
عزَّت فلم تعرفِ الأيامُ قيمتها
فرَّدها غيره منه الى الصــــدف( )
قال عنه ابن عقيل: بهر العقول سيرة النظام جوداً وكرماً وعدلاً، وإحياءً لمعالم الدين، كانت أيامه دولة أهل العالم، ثم ختم له بالقتل وهو مارُّ الى الحج في رمضان فمات ملكاً في الدنيا، ملكاً في الآخرة ، رحمه الله( ).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محمدعبدالرحمن
مشرف المنتدى الاسلامي
مشرف المنتدى الاسلامي
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 1645
العمر : 38
المكان : مكان ما يكونوا
الحالة : متزوج + 2
الهواية : أحلم ببكرة
تاريخ التسجيل : 21/03/2010
التـقــييــم : 18

مُساهمةموضوع: رد: الدولة العثمانية -عوامل النهوض وأسباب السقوط- د/علي محمد محمد الصلابي   الجمعة 20 مايو 2011, 1:15 pm

متايع وشكرا على مجهودك

_________________________
قـال الامـام العلـم ابن القـيم جوزيـه:
ان سألـوك عـن شيخـــــــك فقـل شيــــــخى رســــول اللــــــــــــــــه
وان سألـوك عـن جماعتـــــــك فقـل هــــــو سماكــــم المسلمـــــــين
وان سألـوك عن منهجـــــك فقـل الكتـاب والسنـه بفهـم سـلف الامـه
وان سألـوك عـن بيتـك فقـل الا إن بيـوت اللـه فـى الارض المساجـد
وان سألـوك عـن لباســـــــك فقـل ولبـــــاس التقــــــوى ذلـك خــــير


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
كَادَ الْأَدَبِ يَكُوْنُ ثُلُثَيْ الدَّيْنِ
مِنْ أَقْوَالِ ابْنُ مُبَارَكٍ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عبدالعظيم الجزار
عماري أصيل
عماري أصيل
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 503
العمر : 44
المكان : العمار الكبرى
الحالة : بحب العمار وأهل العمار
الهواية : القراءة
تاريخ التسجيل : 05/03/2008
التـقــييــم : 0

مُساهمةموضوع: رد: الدولة العثمانية -عوامل النهوض وأسباب السقوط- د/علي محمد محمد الصلابي   الجمعة 27 مايو 2011, 10:48 am

المبحث الثالث
نهاية الدولة السلجوقية

كان للسلطان ملكشاه عند وفاته أربعة أبناء هم بركيارق ومحمد وسنجر ومحمود. وكان محمود، والذي عرف فيما بعد بناصر الدين محمود، طفلاً فبايعوه على تولي السلطة لأن أمه تركان خاتون، كانت ذات شأن كبير ايام ملكشاه. وقد استمر حكمه حوالي العامين من 485هـ/1092م والى عام 487هـ/1094م، حيث توفي هو وأمه. ثم جاء من بعده ركن الدين أبوالمظفر بركيارق بن ملكشاه، واستمر حكمه حتى عام 498هـ/1105م، ثم تلاه ركن الدين مكلشاه الثاني وفي نفس العام تولى السلطة غياث الدين أبو شجاع محمد، واستمر حكمه حتى عام 511هـ/1128م وكان آخر حكام الدولة السلجوقية العظمى فيما وراء النهر والتي كانت لها السيطرة على خراسان وإيران والعراق. وقد انقرضت دولتهم عام 522هـ/1128م وذلك على يد شاهنات خوارزم( ). وبسقوط الدولة السلجوقية العظمى فيما وراء النهر انفرط عقد السلاجقة وتمزقت وحدتهم، وضعفت قوتهم، حتى أصبح السلاجقة شيعاً وأحزاباً ومعسكرات متباينة، تتصارع فيما بينها، حول الظفر بالعرش، وانقسمت على ضوء ذلك الدولة السلجوقية العظمى الى عدة دول وإمارات صغيرة. ولم تكن هذه الدولة والإمارات الصغيرة تخضع لحكم سلطان واحد كما كان الحال في عهد كل من السلطان طغرلبك الأول والسلطان ألب أرسلان والسلطان ملكشاه وأسلافهم. بل كان كل جزء من أجزاء الدولة السلجوقية مستقلاً تحت قيادة منفصلة، لايوجد بينها أي تعاون يذكر( ).
ونتيجة لذلك خرجت الدولة الخوارزمية فيما وراء النهر وهي تلك الدولة التي وقفت ردحاً من الزمن أمام الهجمات المغولية وقد قامت معها إمارات سلجوقية في شمال العراق والشام عرفت بالأتابكيات، وأثناء ذلك برزت سلطنة سلاجقة الروم، وهي السلطنة التي قاومت الحملات الصليبية ، واستطاعت أن تحصرها في الركن الشمالي الغربي من آسيا الصغرى. أما سلطنة سلاجقة الروم فقد دمرتها الغارات المغولية المتلاحقة.
لقد تضافرت عوامل عديدة في سقوط السلطنة السلجوقية التي مهدت بدورها لسقوط الخلافة العباسية.
ومن هذه العوامل:
1. الصراع داخل البيت السلجوقي بين الأخوة والأعمام والأبناء والأحفاد.
2. تدخل النساء في شؤون الحكم.
3. اذكاء نار الفتنة بين الحكام السلاجقة من قبل بعض الأمراء والوزراء والأتابك
4. ضعف الخلفاء العباسيين الذين تميزوا بالضعف أمام القوة العسكرية السلجوقية، فلم يتورعوا عن الاعتراف بشرعية كل من يجلس على عرش السلطنة السلجوقية والخطبة لكل منتصر قوي( ).
5. عجز الدولة السلجوقية عن توحيد بلاد الشام ومصر والعراق تحت راية الخلافة العباسية.
6. الأنقسام الداخلي بين السلاجقة والذي وصل الى حد المواجهة العسكرية المستمرة، وهذا ما أنهك قوة السلاجقة حتى انهارت سلطنتهم في العراق.
7. المكر الباطني الخبيث بالدولة السلجوقية وتمثل ذلك في حملة التصفيات والمحاولات المستمرة لاغتيال سلاطين السلاجقة وزعمائهم وقاداتهم.
8. الغزو الصليبي القادم من وراء البحار وصراع الدولة السلجوقية مع جحافل الغزو الوحشية القادمة من أوروبا وغير ذلك من الاسباب والعوامل إلا أن السلاجقة كانت لهم أعمال جليلة من أهمها:
أ‌. كان لهم دور في تأخير زوال الخلافة العباسية، حوالي قرنين من الزمان، حيث أوشكت قبل مجيئهم على الانقراض في ظل سيطرة البويهين الشيعة الروافض.
ب‌. منعت الدولة السلجوقية الدولة العبيدية في مصر من تحقيق اغراضها الهادفة الى توحيد المشرق العربي الاسلامي تحت الراية الباطنية العبيدية الرافضية.
ت‌. كانت الجهود التي بذلتها الدولة السلجوقية تمهيداً لتوحيد المشرق الاسلامي والذي تم على يد صلاح الدين الأيوبي وتحت راية الخلافة العباسية السنيّة( ).
ث‌. قام السلاجقة بدور ملموس في النهوض بالمنطقة الخاضعة لهم علمياً وإدارياً ونشروا الأمن والاستقرار فيها.
ج‌. وقفوا في وجه التحركات الصليبيبة من جانب الامبراطورية البيزنطية، وحاولوا صد الخطر المغولي الى حد كبير .
ح‌. رفعوا من شأن المذهب السني وعلمائه في تلك المناطق( )
هذه نبذة موجزة عن السلاجقة السنيين ودورهم في نصرة الاسلام، وإن من الظلم والزور والبهتان أن نطلق على أولئك الشجعان كلمة الشراذم كما فعل الاستاذ نجيب زبيب في الموسوعة العامة في لتاريخ المغرب والأندلس( ).

في المرة القادمةنلتقي مع قيام الدولة العثمانية
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محمدعبدالرحمن
مشرف المنتدى الاسلامي
مشرف المنتدى الاسلامي
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 1645
العمر : 38
المكان : مكان ما يكونوا
الحالة : متزوج + 2
الهواية : أحلم ببكرة
تاريخ التسجيل : 21/03/2010
التـقــييــم : 18

مُساهمةموضوع: رد: الدولة العثمانية -عوامل النهوض وأسباب السقوط- د/علي محمد محمد الصلابي   الجمعة 27 مايو 2011, 1:07 pm

متااااااااااااااايع

_________________________
قـال الامـام العلـم ابن القـيم جوزيـه:
ان سألـوك عـن شيخـــــــك فقـل شيــــــخى رســــول اللــــــــــــــــه
وان سألـوك عـن جماعتـــــــك فقـل هــــــو سماكــــم المسلمـــــــين
وان سألـوك عن منهجـــــك فقـل الكتـاب والسنـه بفهـم سـلف الامـه
وان سألـوك عـن بيتـك فقـل الا إن بيـوت اللـه فـى الارض المساجـد
وان سألـوك عـن لباســـــــك فقـل ولبـــــاس التقــــــوى ذلـك خــــير


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
كَادَ الْأَدَبِ يَكُوْنُ ثُلُثَيْ الدَّيْنِ
مِنْ أَقْوَالِ ابْنُ مُبَارَكٍ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عبدالعظيم الجزار
عماري أصيل
عماري أصيل
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 503
العمر : 44
المكان : العمار الكبرى
الحالة : بحب العمار وأهل العمار
الهواية : القراءة
تاريخ التسجيل : 05/03/2008
التـقــييــم : 0

مُساهمةموضوع: رد: الدولة العثمانية -عوامل النهوض وأسباب السقوط- د/علي محمد محمد الصلابي   السبت 28 مايو 2011, 8:13 pm

المبحث الأول
عثمان مؤسس الدولة العثمانية

في عام 656هـ/1258م ولد لأرطغرل ابنه عثمان الذي تنتسب إليه الدولة العثمانية( ) وهي السنة التي غزا فيها المغول بقيادة هولاكو بغداد عاصمة الخلافة العثمانية، وكانت الأحداث عظيمة، والمصائب جسيمة، يقول ابن كثير: " ومالوا على البلد فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والكهول والشبان، ودخل كثير من الناس في الآبار وأماكن الحشوش، وقني الوسخ، وكمنوا كذلك أياماً لايظهرون وكان الجماعة من الناس يجتمعون إلى الحانات ويغلقون عليهم الأبواب فتفتحها التتار إما بالكسر وإما بالنار، ثم يدخلون عليهم فيهربون منهم إلى أعالي الأمكنة فيقتلونهم بالأسطحة، حتى تجري الميازيب من الدماء في الأزقة، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وكذلك في المساجد والجوامع والربط، ولم ينج منهم أحد سوى أهل الذمة من اليهود والنصارى ومن التجأ إليهم( ).
لقد كان الخطب عظيم والحدث جلل، والأمة ضعفت ووهنت بسبب ذنوبها ومعاصيها ولذلك سلط عليها المغول، فهتكوا الأعراض، وسفكوا الدماء، وقتلوا الأنفس، ونهبوا الأموال، وخربوا الديار، في تلك الظروف الصعبة والوهن المستشري في مفاصل الأمة ولد عثمان مؤسس الدولة العثمانية، وهنا معنى لطيف ألا وهو بداية الأمة في التمكين هي أقصى نقطة من الضعف والانحطاط تلك هي بداية الصعود نحو العزة والنصر والتمكين، إنها حكمة الله وإرادته ومشيئته النافذة.
قال تعالى:{ إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبح أبنائهم ويستحي نساءهم إنه كان من المفسدين } (سورة القصص:3).
وقال سبحانه وتعالى : { ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض } (القصص، آية: 5،6 ).
ولاشك أن الله تعالى قادر على أن يمكن لعباده المستضعفين في عشية أو ضحاها، بل في طرفة عين قال تعالى: { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون .. } ( النحل: 40).
فلا يستعجل أهل الحق موعود الله عزوجل لهم بالنصر والتمكين، فلابد من مراعاة السنن الشرعية والسنن الكونية، ولابد من الصبر على دين الله عزوجل: { ولو شاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض } ( سورة محمد: 4).
والله إذا أراد شيئاً هيأ له أسبابه وأتى به شيئاً فشيئاً بالتدرج لادفعة واحدة.
وبدأت قصة التمكين للدولة العثمانية مع ظهور القائد عثمان الذي ولد في عام سقوط الخلافة العباسية في بغداد.
أولاً: أهم الصفات القيادية في عثمان الأول:
عندما نتأمل في سيرة عثمان الأول تبرز لنا بعض الصفات المتأصلة في شخصيته كقائد عسكري، ورجل سياسي، ومن أهم هذه الصفات:
1. الشجاعة: عندما تنادى أمراء النصارى في بورصة ومادانوس وأدره نوس وكته وكستله البيزنطيون في عام 700هـ/1301م لتشكيل حلف صليبي لمحاربة عثمان بن أرطغرل مؤسس الدولة العثمانية واستجابت النصارى لهذا النداء وتحالفوا للقضاء على الدولة الناشئة تقدم عثمان بجنوده وخاض الحروب بنفسه وشتت الجيوش الصليبية وظهرت منه بسالة وشجاعة أصبحت مضرب المثل عند العثمانيين( ).
2. الحكمة: بعد ما تولى رئاسة قومه رأى من الحكمة أن يقف مع السلطان علاء الدين ضد النصارى، وساعده في افتتاح جملة من مدن منيعة ، وعدة قلاع حصينة، ولذلك نال رتبة الإمارة من السلطان السلجوقي علاء الدين صاحب دولة سلاجقة الروم. وسمح له سك العملة باسمه، مع الدعاء له في خطبة الجمعة في المناطق التي تحته( ).
3. الاخلاص: عندما لمس سكان الأراضي القريبة من إمارة عثمان أخلاصه للدين تحركوا لمساندته والوقوف معه لتوطيد دعائم دولة اسلامية تقف سداً منيعاً أمام الدولة المعادية للاسلام والمسلمين( ).
4. الصبر: وظهرت هذه الصفة في شخصيته عندما شرع في فتح الحصون والبلدان، ففتح في سنة 707هـ حصن كته، وحصن لفكه، وحصن آق حصار، وحصن قوج حصار. وفي سنة 712هـ فتح حصن كبوه وحصن يكيجه طرا قلوا، وحصن تكرر بيكارى وغيرها وقد توج فتوحاته هذه بفتح مدينة بروسة في عام 717هـ/1317م، وذلك بعد حصار شديد دام عدة سنوات، ولم يكن فتح بروسة من الأمور السهلة بل كان من أصعب ما واجهه عثمان في فتوحاته، حيث حدثت بينه وبين قائد حاميتها اقرينوس صراع شديد استمر عدة سنوات حتى استسلم وسلم المدينة لعثمان. قال تعالى :{ يأيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون} (سورة آل عمران:200).
5. الجاذبية الايمانية: وتظهر هذه الصفة عندما احتك به اقرينوس قائد بروسه واعتنق الاسلام أعطاه السلطان عثمان لقب (بك) وأصبح من قادة الدولة العثمانية البارزين فيما بعد، وقد تأثر كثير من القادة البيزنطيين بشخصية عثمان ومنهجه الذي سار عليه حتى امتلأت صفوف العثمانيين منهم( )، بل أن كثيراً من الجماعات الاسلامية انخرطت تحت لواء الدولة العثمانية كجماعة (غزياروم) أي غزاة الروم، وهي جماعة اسلامية كانت ترابط على حدود الروم وتصد هجماتهم عن المسلمين منذ العصر العباسي، وقد أعطتها هذه المرابطة خبرات في جهاد الروم عمقت فيها انتماءها للاسلام والتزامها بكل ماجاء به الاسلام من نظام، وجماعة (الإخيان) (اي الاخوان) وهم جماعة من أهل الخير يعينون المسلمين ويستضيفونهم ويصاحبون جيوشهم لخدمة الغزاة وكان معظم أعضاء هذه الجماعة من كبار التجار الذي سخروا أموالهم للخدمات الاسلامية مثل : إقامة المساجد والتكايا و"الخانات" الفنادق، وكانت لهم في الدولة مكانة عالية، ومن هذه الجماعة علماء ممتازون عملوا في نشر الثقافة الاسلامية وحببوا الناس في التمسك بالدين، وجماعة (حاجيات روم) أي حجاج أرض الروم، وكانت جماعة على فقه بالاسلام، ومعرفة دقيقة لتشريعاته، وكان هدفها معاونة المسلمين عموماً والمجاهدين خصوصاً وغير ذلك من الجماعات( ).
6. عدله: تروي معظم المراجع التركية التي أرّخت للعثمانيين أن أرطغرل عهد لابنه عثمان مؤسس الدولة العثمانية بولاية القضاء في مدينة قره جه حصار بعد الاستيلاء عليها من البيزنطيين في عام 684هـ/1285م وأن عثمان حكم لبيزنطي نصراني ضد مسلم تركي، فاستغرب البيزنطي وسأل عثمان: كيف تحكم لصالحي وانا على غير دينك، فأجابه عثمان: بل كيف لا أحكم لصالحك، والله الذي نعبده ، يقول لنا : { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات الى أهلها واذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} (سورة النساء، ) وكان هذا العدل الكريم سبباً في اهتداء الرجل وقومه الى الاسلام( ).
إن عثمان الأول استخدم العدل مع رعيته وفي البلاد التي فتحها، فلم يعامل القوم المغلوبين بالظلم أو الجور أو التعسف أو التجبر، أو الطغيان، أو البطش وإنما عاملهم بهذا الدستور الرباني: { أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد الى ربه فيعذبه عذاباً نكراً وأما من آمن وعمل صالحاً فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسراً} (سورة الكهف: آية: 87،88). والعمل بهذا الدستور الرباني يدل على إيمان وتقوى وفطنة وذكاء وعلى عدل وبر ورحمة.
7. الوفاء: كان شديد الإهتمام بالوفاء بالعهود، فعندما اشترط أمير قلعة اولوباد البيزنطية حين استسلم للجيش العثماني، أن لايمر من فوق الجسر أي عثماني مسلم الى داخل القلعة التزم بذلك وكذلك من جاء بعده( ). قال تعالى {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤلا} (سورة الاسراء:آية )
8. التجرد لله في فتوحاته: فلم تكن أعماله وفتوحاته من أجل مصالح اقتصادية أو عسكرية أو غير ذلك ، بل كان فرصة تبليغ دعوة الله ونشر دينه ولذلك وصفه المؤرخ احمد رفيق في موسوعته (التاريخ العام الكبير) بأنه (كان عثمان متديناً للغاية، وكان يعلم أن نشر الاسلام وتعميمه واجب مقدس وكان مالكاً لفكر سياسي واسع متين ، ولم يؤسس عثمان دولته حباً في السلطة وإنما حباً في نشر الاسلام) ( ).
ويقول مصر اوغلو: "لقد كان عثمان بن أرطغرل يؤمن إيماناً عميقاً بأن وظيفته الوحيدة في الحياة هي الجهاد في سبيل الله لأعلاء كلمة الله، وقد كان مندفعاً بكل حواسه وقواه نحو تحقيق هذا الهدف"( ).
هذه بعض صفات عثمان الأول والتي كانت ثمرات طبيعية لإيمانه بالله تعالى والاستعداد لليوم الآخر ، وحبه لأهل الإيمان وبغضه لأهل الكفر والعصيان وحبه العميق للجهاد في سبيل الله والدعوة إليه ولذلك كان عثمان في فتوحاته يطلب من أمراء الروم في منطقة آسيا الصغرى أن يختاروا أحد ثلاثة أمور هي الدخول في الاسلام، أو دفع الجزية، أو الحرب، وبذلك أسلم بعضهم، وانضم إليه البعض الاخر وقبلوا دفع الجزية. أما ماعداهم فقد شن عليهم جهاداً لاهوادة فيه فانتصر عليهم، وتمكن من ضم مناطق كبيرة لدولته.
لقد كانت شخصية عثمان متزنة وخلابة بسبب إيمانه العظيم بالله تعالى واليوم الآخر ، ولذلك لم تطغ قوته على عدالته، ولا سلطانه على رحمته، ولا غناه على تواضعه، وأصبح مستحقاً لتأييد الله وعونه، ولذلك أكرمه الله تعالى بالأخذ بأسباب التمكين والغلبة وهو تفضل من الله تعالى على عبده عثمان، فجعل له مكنة وقدرة على التصرف في آسيا الصغرى من حيث التدبير والرأي وكثرة الجنود والهيبة والوقار، لقد كانت رعاية الله له عظيمة ولذلك فتح له باب التوفيق وحقق ماتطلع إليه من أهداف وغاية سامية لقد كانت أعماله عظيمة بسبب حبه للدعوة الى الله، فقد جمع بين الفتوحات العظيمة بحد السيف، وفتوحات القلوب بالإيمان والإحسان، فكان إذا ظفر بقوم دعاهم الى الحق والايمان بالله تعالى وكان حريصاً على الأعمال الأصلاحية في كافة الأقاليم والبلدان التي فتحها، فسعى في بسط سلطان الحق والعدالة ، وكان صاحب ولاء ومحبة لأهل الإيمان، مثلما كان معادياً لأهل الكفران.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عبدالعظيم الجزار
عماري أصيل
عماري أصيل
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 503
العمر : 44
المكان : العمار الكبرى
الحالة : بحب العمار وأهل العمار
الهواية : القراءة
تاريخ التسجيل : 05/03/2008
التـقــييــم : 0

مُساهمةموضوع: رد: الدولة العثمانية -عوامل النهوض وأسباب السقوط- د/علي محمد محمد الصلابي   الأحد 29 مايو 2011, 8:19 pm

ثانياً: الدستور الذي سار عليه العثمانيون:
كانت حياة الأمير عثمان مؤسس الدولة العثمانية، جهاداً ودعوة في سبيل الله وكان علماء الدين يحيطون بالأمير ويشرفون على التخطيط الإداري والتنفيذ الشرعي في الإمارة ولقد حفظ لنا التاريخ وصية عثمان لابنه أورخان وهو على فراش الموت وكانت تلك الوصية فيها دلالة حضارية ومنهجية شرعية سارت عليها الدولة العثمانية فيما بعد يقول عثمان في وصيته: ( يابني: اياك أن تشتغل بشيء لم يأمر به الله رب العالمين وإذا واجهتك في الحكم معضلة فاتخذ من مشورة علماء الدين مؤئلاً.
يابني: أحط من أطاعك بالأعزاز. وأنعم على الجنود، ولا يغرنك الشيطان بجندك وبمالك، وإياك أن تبتعد عن أهل الشريعة.
يابني: إنك تعلم أن غايتنا هي أرضاء الله رب العالمين، وأن بالجهاد يعم نور ديننا كل الآفاق، فتحدث مرضات الله جل جلاله.
يابني : لسنا من هؤلاء الذين يقيمون الحروب لشهوة حكم أو سيطرة أفراد، فنحن بالاسلام نحيا وللاسلام نموت، وهذا ياولدي ما أنت له أهل)( ).
وفي كتاب (التاريخ السياسي للدولة العلية العثمانية) تجد رواية آخرى للوصية: (اعلم يابني ، أن نشر الاسلام ، وهداية الناس إليه، وحماية أعراض المسلمين وأموالهم، أمانة في عنقك سيسألك الله عز وجل عنها)( ).
وفي كتاب مأساة بني عثمان نجد عبارات أخرى من وصية عثمان لابنه أورخان تقول: (يابني ، أنني أنتقل الى جوار ربي ، وأنا فخور بك بأنك ستكون عادلاً في الرعية، مجاهداً في سبيل الله، لنشر دين الاسلام.
يابني ، أوصيك بعلماء الأمة، أدم رعايتهم، وأكثر من تبجيلهم، وانزل على مشورتهم، فانهم لايأمرون إلا بخير.
يابني ، اياك أن تفعل أمراً لا يرضى الله عز وجل ، واذا صعب عليك أمر فاسأل علماء الشريعة، فانهم سيدلونك على الخير.
واعلم يابني أن طريقنا الوحيد في هذه الدنيا هو طريق الله، وأن مقصدنا الوحيد هو نشر دين الله، وأننا لسنا طلاب جاه ولا دنيا)( ).
وفي التاريخ العثماني المصور، عبارات اخرى من وصية عثمان تقول: (وصيتي لابنائي واصدقائي ، اديموا علوا الدين الاسلامي الجليل بادامة الجهاد في سبيل الله. أمسكوا راية الاسلام الشريفة في الاعلى باكمل جهاد. أخدموا الاسلام دائماً؛ لان الله عز وجل قد وظف عبداً ضعيفاً مثلي لفتح البلدان. اذهبوا بكلمة التوحيد الى اقصى البلدان بجهادكم في سبيل الله ومن انحرف من سلالتي عن الحق والعدل حرم من شفاعة الرسول الاعظم يوم المحشر.
يابني: ليس في الدنيا أحد لا يخضع رقبته للموت وقد اقترب اجلي بأمر الله جل جلاله اسلمك هذه الدولة واستودعك المولى عز وجل. اعدل في جميع شؤونك....)( ).
لقد كانت هذه الوصية منهجاً سار عليه العثمانيون، فأهتموا بالعلم وبالمؤسسات العلمية وبالجيش، وبالمؤسسات العسكرية ، وبالعلماء واحترامهم، وبالجهاد الذي أوصل فتوحاً الى اقصى مكان وصلت إليه رايته جيش مسلم وبالامارة وبالحضارة)( ).
ونستطيع أن نستخرج الدعائم والقواعد والأسس التي قامت الدولة العثمانية من خلال تلك الوصية:
1- (يابني اياك أن تشتغل بشيء لم يأمر به الله رب العالمين):
إنها دعوة الى الالتزام بشرع الله في كل صغيرة وكبيرة، وبحيث يكون حكم الله وأمره مهيمناً على كل شيء قال تعالى : {إن الحكم إلا لله ، أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ، ولكن أكثر الناس لايعلمون} (سورة يوسف: آية40).
يعني : (ما الحكم الحق في الربوبية والعقائد والمعاملات إلا لله وحده يوحيه لمن اصطفاه من رسله، لايمكن لبشر أن يحكم فيه برأيه وهواه، ولا بعقله واستدلاله ولا باجتهاده واستحسانه، فهذه القاعدة هي أساس دين الله تعالى على ألسنة جميع رسله لا تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة)( ) لقد نزل القرآن الكريم من أجل تحقيق العبودية والحاكمية لله تعالى قال سبحانه : {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله} (سورة النساء: آية 105) فكما أن تحقيق العبودية غاية من إنزال الكتاب فكذلك تطبيق الحاكمية غاية من إنزاله( ).
إن عثمان يوصي إبنه كحاكم من بعده لدولة إسلامية أن يتقيد بحكم الله في أعماله، لأنه يعلم أن إقامة حكم الله من خلال الحاكم المسلم عهد وميثاق ذكره الله تعالى: { واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به، إذ قلتم سمعنا وأطعنا واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور } ( سورة المائدة: 7). فهذا تذكير من الله تعالى لعباده المؤمنين بنعمته عليهم في الشرع الذي شرعه لهم في هذا الدين العظيم، المرسل به الرسول الكريم، وأخذ للعهد والميثاق عليهم في متابعته ونصرته وإبلاغه والقيام به، وهذا مقتضى البيعة التي كان الصحابة يبايعون عليها رسول الله  ، على السمع والطاعة في المنشط والمكره، كما أن الإخلال بعهد الحاكمية جاهلية قال تعالى : { أفحكم الجاهلية يبغون، ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون } ( سورة المائدة: 50). ففي الآية الكريمة إنكار وتوبيخ وتعجب من حال من يتولى عن حكم الله وهو يبغي حكم غيره والآية تعبير لليهود بأنهم مع كونهم أهل كتاب وعلم يبغون حكم الجاهلية التي هي هوى وجهل لايصدر عن كتاب ولايرجع إلى وحي( ).
إن تحقيق الحاكمية، تمكين للعبودية، وقيام بالغاية التي من أجلها خلق الإنسان والجان، قال تعالى: { وماخلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ( سورة الذاريات: 56). أي ليطيعوه وحده لاشريك له( ).وإن المفهوم الواسع الرحيب للعبادة ليشمل علائق وأعمالاً كثيرة، منها مايمكن أن يقيمه الأفراد ومنها مالايمكن تحقيقه على الوجه الأكمل إلا في ظل دولة الإسلام وهذه المعاني الرفيعة كانت واضحة في ذهن المؤسس الأول للدولة العثمانية ولذلك وصى الأمير أورخان بهذه العبارة المنهجية المسددة ( يابني إياك أن تشتغل بشيء لم يأمر به الله رب العالمين ) وهذا التوجيه من عثمان لابنه كفرد وكرئيس لدولة وفي طياته معنى كون العبادة لها أصلان:
احدهما: أن لا يعبد إلا الله، والثاني : أن يعبد بما أمر وشرع( ). فإنه مما لاشك فيه كانت الدولة العثمانية حريصة على حماية هذين الأصلين بمحاربة الشرك في داخلها وعملت على تقليص نفوذه خارجها وكانت حريصة على حماية الشرع ضد من يعاود الاعتداء عليه بابتداع أو تحريف أو تغيير أو تبديل، وكل ذلك من حرص أميرها والعلماء الذين من حوله على تحقيق العبودية لله على الوجه المرضي، وعلى حماية الدين من دخائل وانتحالات المضلين، وبهذا تكون دولة بني عثمان أخذت الصبغة الشرعية. (لقد كانت نشأتها إسلامية ، خالصة، مشبوبة بإيمان عميق، متوجهة الى أهداف عقائدية)( ).
2- إذا واجهتك في الحكم معضلة فاتخذ من مشورة علماء الدين مؤئلاً:
إن الله تعالى قد شرع نظام الشورى لحكم بالغة، ومقاصد عظيمة، ولما فيها من المصالح الكبيرة، والفوائد الجليلة التي تعود على الأمة والدولة والمجتمع بالخير والبركة ولذلك أمر عثمان الاول إبنه أن يجعل من العلماء مجلس شورى له في معضلات الأمور وفي هذا الارشاد امتثال لأمر الله واقتداء برسول الله.
- قال تعالى : { فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين} (سورة آل عمران: آية:159).
قال الاستاذ سيد قطب -رحمه الله- : (وبهذا النص الجازم {وشاورهم في الأمر} يقرر الإسلام هذا المبدأ في نظام الحكم - حتى ومحمد رسول الله  هو الذي يتولاه، وهو نص قاطع لا يدع للأمة المسلمة شكاً في أن الشورى مبدأ اساسي لايقوم نظام الاسلام على أساس سواه)( ).
- وقال تعالى : {والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون} (سورة الشورى:آية: 38).
يقول الاستاذ عبدالقادر عودة -رحمه الله- (الشورى من دعائم الايمان وصفة من الصفات المميزة للمسلمين ، سوى الله بينها وبين الصلاة والإنفاق في قوله: { والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون}. فجعل للاستجابة لله نتائج بين لنا أبرزها، وأظهرها، وهي إقامة الصلاة والشورى والانفاق، واذا كانت الشورى من الايمان فإنه لا يكمل إيمان قوم يتركون الشورى، ولا يحسن إسلامهم إذا لم يقيموا الشورى إقامة صحيحة، ومادامت الشورى صفة لازمة للمسلم لايكمل إيمانه إلا بتوفرها، فهي إذن فريضة إسلامية واجبة على الحاكمين والمحكومين، فعلى الحاكم أن يستشير في كل أمور الحكم والإدارة والسياسة، والتشريع وكل مايتعلق بمصلحة الأفراد أو المصلحة العامة، وعلى المحكومين أن يشيروا على الحاكم بما يرونه في هذه المسائل كلها، سواء استشارهم الحاكم أو لم يستشرهم( ).
والأحاديث القولية والسنة الفعلية الدّالة على وجوب الشورى كثيرة ونكتفي بما ذكرنا خوفاً من الإطالة.
وفي رواية أن عثمان أمر ابنه بأن ينزل على رأي العلماء في قوله : ( وأنزل على مشورتهم فإنهم لايأمرون إلا بخير .. )( ) وكأن عثمان - رحمه الله - يرأى أن الشورى ملزمة للحاكم وقد ذهب إلى هذا الرأي مجموعة من العلماء المعاصرين منهم العلامة أبو الأعلى المودودي - رحمه الله - : ( وخامسة قواعد الدولة الإسلامية حتمية تشاور قادة الدولة وحاكمها مع المسلمين والنزول على رضاهم ورأيهم، وامضاء نظام الحكم بالشورى. يقول تعالى: { وأمرهم شورى بينهم }، { وشاورهم في الأمر }( ) .
( إن قاعدة: { وأمرهم شورى بينهم } تتطلب بذاتها خمسة أمور: خامسها التسليم بما يجمع عليه أهل الشورى أو أكثريتهم، أما أن يستمع ولي الأمر إلى آراء جميع أهل الشورى ثم يختار هو بنفسه بحرية تامة، فإن الشورى في هذه الحالة تفقد معناها وقيمتها، فالله لم يقل: ( تؤخذ آراؤهم ومشورتهم في أمرهم) وإنما قال : { وأمرهم شورى بينهم } يعني أن تسير الأمور بتشاور فيما بينهم، وتطبيق هذا القول الإلهي لايتم بأخذ الرأي فقط، وإنما من الضروري لتنفيذه وتطبيقه أن تجري الأمور وفق ما يتقرر بالإجماع أو الأكثرية..)( ).
وهكذا نرى الأمير عثمان يسبق كثير من العلماء والمفكرين المعاصرين في ذهابه إلى أن الشورى ملزمة ويأمر بأنه بالنزول عند رأي العلماء ولكونهم لايأمرون إلا بخير.
لقد ساهمت الشورى في بناء الدولة العثمانية وتماسك رعاياه وعززت السلطان السياسي والجهادي والدعوي للدولة وكانت الآراء تتقلب وفقا لجدارتها، وبمقدار انسجامها مع عقيدة الأمة ودستور الدولة، لقد كان الحكام العثمانيون يريدون لحكمهم أن يستمر ولنظام دولتهم أن يستقر ولذلك حرصوا على الإلمام بحقيقة الأوضاع ببلادهم وجعلوا من الشورى خير سبيل لتحقيق هذه الغاية.
ولقد تطورت الشورى في الدولة العثمانية بل أصبح لكل أقليم حاكم يطلق عليه باشا وله مجلس الديوان يتشاورون في شؤون الحكم والرعية، ولقد شكلت مجالس وعين نواب وممثلون لكل جماعة واتيحت الفرصة للاختيار وتتطور الأمر حتى وصل في عهد السلطان محمد الفاتح إلى تشكيل مجلس استشاري لأمور الدولة.
إن أشكال الشورى وأساليب تطبيقها ووسائل تحقيقها وإجراءاتها كانت في زمن الدولة العثمانية عرضة للاجتهاد والبحث والاختيار، أما أصل الشورى في إدارة شؤون الدولة فكان بالنسبة لهم من قبيل المحكم الثابت الذي لايجوز تجاهله أو إهماله وإن كان تاريخ الدولة العثمانية لايخلو من ظهور بعض السلاطين المتسلطين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عبدالعظيم الجزار
عماري أصيل
عماري أصيل
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 503
العمر : 44
المكان : العمار الكبرى
الحالة : بحب العمار وأهل العمار
الهواية : القراءة
تاريخ التسجيل : 05/03/2008
التـقــييــم : 0

مُساهمةموضوع: رد: الدولة العثمانية -عوامل النهوض وأسباب السقوط- د/علي محمد محمد الصلابي   الأحد 29 مايو 2011, 8:43 pm

3- يابني أوصيك بعلماء الأمة، أدم رعايتهم وأكثر من تبجيلهم:
كان عثمان على صلة متينة مع كبار العلماء والفقهاء وكبار الصالحين في عهده وكثيراً ما يجلس الساعات الطوال بين أيديهم ويتلقى مواعظهم ويستفيد من علمهم ويشاورهم في أمور الدولة وكان يتردد على المولى الشيخ ( إده بالي) القرماني المولد وقد زوجه ابنته بسبب رؤيا : ( كان في أحد الأيام يبيت عنده، فرأى في المنام قمراً خرج من حضن الشيخ ودخل حضنه، وعند ذلك نبتت شجرة عظيمة سدت أغصانها الآفاق، وتحتها جبال عظيمة تتفجر منها الأنهار، والناس ينتفعون بتلك الأشجار لأنفسهم ودوابهم وبساتينهم، فقص هذه الرؤيا على الشيخ فقال: لك البشرى، بما نلت مرتبة السلطنة، وينتفع بك وبأولادك المسلمون، وإني زوجت لك ابنتي هذه ..( ).
لقد حاول بعض الكتاب أن يجعل من تلك الرؤيا اسطورة لا حقيقة لها مع أن هذه الرؤيا ذكرت في كتاب مهم اسمه الشقائق النعمانية في تاريخ الدولة العثمانية، وهذا الكتاب أفاد وأجاد في ذكر علماء وفقهاء الدولة لفترات زمنية ممتدة.
إن هذه الرؤيا لاتخالف العقل ولا النقل، لأن عثمان الأول رحمه الله كان رجلاً تقياً ورعاً ومن ثمار التقوى الرؤيا الصالحة وثناء الخلق ومحبتهم : قال تعالى: { ألا إنّ أولياء الله لاخوف عليهم ولاهم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البُشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ... } ( يونس : 62-64).
والبشرى في الدنيا ما بشر الله به المؤمنين المتقين، في غير مكان من كتابه وعن النبي  : " الرؤيا الصالحة من الله .. "( ) وعنه عليه الصلاة والسلام : " لم يبق من النبوة إلا المبشرات قالوا: وما المبشرات ؟ قال: " الرؤيا الصالحة"( ) وعن أبي ذر قال: قلت لرسول الله  : الرجل يعمل العمل لله ويحبه الناس "فقال تلك عاجل بشرى المؤمن"( ).
إن عثمان الأول - رحمه الله - وضع الله له محبة في قلوب المسلمين لجهاده وتقواه وصلاحه.
إن وصية عثمان لابنه بإحترام العلماء اصبحت منهجاً سار عليه حكام الدولة العثمانية وهذا يدل على التزام العثمانيين بشرع الله تعالى، لأن الشريعة أعطت اعتباراً للعلماء وبنته على أمرين:
- أن طاعتهم طاعة لله - عزوجل ولرسوله  ، فالتزام أمرهم واجب.
- أن طاعتهم ليست مقصودة لذاتها بل هي تبعٌ لطاعة الله ورسوله  .
والأدلة على هذه المنزلة وهذا الاعتبار للعلماء في الشريعة كثيرة منها:
الدليل الأول: قوله تعالى: { ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم } ( سورة النساء، الآية: 59 ).
وقد اختلف المفسرون في أولي الأمر منكم على أقوال فقيل: هم السلاطين وذوو القدرة.
وقيل: هم أهل العلم.
قال ابن عباس - رضي الله عنهما - " يعني أهل الفقه والدين، وأهل طاعة الله الذين يعلمون الناس معاني دينهم، ويأمرونهم بالمعروف، وينهونهم عن المنكر، فأوجب الله سبحانه طاعتهم على عباده "( ).
( والتحقيق أن الأمراء إنما يطاعون إذا أمروا بمقتضى العلم، فطاعتهم تبعٌ لطاعة العلماء، فإن الطاعة إنما تكون في المعروف وما أوجبه العلم، فكما أن طاعة العلماء تبع لطاعة الرسول، فطاعة الأمراء تبع لطاعة العلماء، فإن الطاعة إنما تكون في المعروف وما أوجبه العلم، فكما أن طاعة العلماء تبع لطاعة الرسول، فطاعة الأمراء تبع لطاعة العلماء ولما كان قيام الإسلام بطائفتين، العلماء والأمراء، وكان الناس لهم تبعاً، كان صلاح العالم بصلاح هاتين الطائفتين، وفساده بفسادهما( ).
والدليل الثاني : أن الله - سبحانه - أوجب الرجوع إليهم وسؤالهم عما أشكل: قال تعالى: { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لاتعلمون } ( سورة الأنبياء، الآية: 7 ).
( وعموم هذه الآية، فيها مدح أهل العلم، وأن أعلى أنواعه، العلم بالكتاب المنزل، فإن الله أمر من لايعلم بالرجوع إليهم في جميع الحوادث في ضمنه تعديل لأهل العلم وتزكية لهم حيث أمر بسؤالهم، وأن بذلك يخرج الجاهل من التبعة..)( ).
إن الآيات والأحاديث التي تبين دور العلماء كثيرة ونكتفي بما ذكرنا.
لقد كان العلماء في مسير الدولة العثمانية مرجع للسلاطين عند الفتن والملاحم والمحن وكانت لهم مقدرة عظيمة على حشد الناس تحت لواء الجهاد في سبيل الله تعالى، وإقامة شرعه على الرعية وكانوا لايسمحون للسلطان أن يتجاوز أحكام الشرع وإلا ربما هيجوا عليه الناس وعزلوه، وكانت أحكام العلماء والفقهاء تستنبط من:
1- القرآن الكريم:
قال تعالى: { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله } (سورة النساء: 105).
فهو المصدر الأول الذي يشتمل على جميع الأحكام الشرعية التي تتعلق بشؤون الحياة البشرية، كما يتضمن مبادئ أساسية وأحكاماً قاطعة لإصلاح كل شعبة من شعب الحياة، كما بين القرآن الكريم للمسلمين كل ما يحتاجون إليه من أسس تقوم عليها دولتهم.
2- السنة المطهرة:
هي المصدر الثاني الذي يستمد منه العلماء الأحكام ومن خلالها يعرفون الصيغ التنفيذية والتطبيقية لأحكام القرآن ممثلة في قيادة الرسول  للأمة ومن خلال السنة يمكن التعرف على نوعية المجتمع المثالي الذي ينشده الإسلام.
3- إجماع الأمة:
وخاصة الصحابة، وفي مقدمتهم الخلفاء الراشدين قال تعالى: { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ماتولى ونصله جهنم وساءت مصيراً } ( النساء: 115 ).

4- مذهب العلماء والمجتهدين:
قال تعالى: { وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به، ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم } ( سورة النساء،آية : 83 ).
والآية دليل على الأخذ بالاجتهاد إذا عُدم النص والإجماع( )، ولأن العلماء في أمة محمد  كالأنبياء في بني إسرائيل، فهم المؤتمون على نقل العلم، والمفوضون في استنباط الأحكام المتجددة في عمومات الشريعة، لا لعصمة اختصوا بها - فليس في الإسلام كهنوت - ولكن لأهليتهم في أن يُسموا - "أهل الذكر " والله تعالى يقول : { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لاتعلمون } (سورة النحل، آية: 43 ).
لقد كان علماء الدولة العثمانية على فهم عميق لروح الشريعة وقواعدها ولهم المقدرة على معالجة مايستجد من قضايا في ضوء هذا الفهم، وكانت لهم القدرة على فهم ضبط المناط في الأحكام وقياس الفروع على الأصول فيها.
ولقد كان المذهب الحنفي له القدح المعلى عند علماء الدولة وإن كانوا لايستغنون عن بقية المذاهب السنية التي كانت لها احترامها عند السلاطين العثمانيين.
لقد حرص علماء الدولة العثمانية على أن يكون نظامها السياسي على عقيدة التوحيد، وتطبيق شريعة الله، وتقوم على الشورى، وأن يقوم نظامها الاقتصادي على التعامل بالذهب والفضة، وعدم التعامل بالربا، وعدم الاستغلال والاحتكار، وعدم الاتجار بما حرم الله، وأن يقوم نظامها السلوكي والأخلاقي الإجتماعي على أساس عقيدة الإسلام، وأن يقوم نظامها التعليمي والإعلامي على قاعدة من العلوم الشرعية، وأن تقوم علاقتها الدولية على أساس عقيدة الإسلام التي وضعها الله سبحانه وتعالى - حيث قال: { لاينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين . إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون } (آية: 8،9 سورة الممتحنة ).
لقد كان العلماء والفقهاء في الدولة العثمانية يشرفون على تطبيق شرع الله، وإقامة الحدود، وتحريم ماحرم الله، ولا تستحل إلا ما حرم الله( ).
لقد كان معظم سلاطين الدولة يحترمون العلماء ويجلونهم .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عبدالعظيم الجزار
عماري أصيل
عماري أصيل
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 503
العمر : 44
المكان : العمار الكبرى
الحالة : بحب العمار وأهل العمار
الهواية : القراءة
تاريخ التسجيل : 05/03/2008
التـقــييــم : 0

مُساهمةموضوع: رد: الدولة العثمانية -عوامل النهوض وأسباب السقوط- د/علي محمد محمد الصلابي   الإثنين 30 مايو 2011, 12:11 pm

4- ( اعلم يابني ، أن نشر الإسلام وهداية الناس إليه وحماية أعراض المسلمين وأموالهم، أمانة في عنقك سيسألك الله عزوجل عنها ) ( )
لقد فهم عثمان الأول - رحمه الله - أن دين الإسلام، دين دعوة مستمرة، لاتتوقف حتى تتوقف الحياة البشرية من على وجه الأرض وأن من أهداف الدولة الإسلامية دفع عجلة الدعوة إلى الأمام ليصل نور الإسلام إلى كل إنسان. إن الدولة العثمانية كانت ترى من مسؤلياتها القيام بوظيفة الدعوة ونشرها في أرجاء الأرض وربط السياسة الخارجية على الأسس الدعوية العقدية، قبل بنائها على الأسس المصلحية النفعية، وذلك كما كان يفعل رسول الله ، كان يقوم بتبليغ الدعوة إلى الآفاق امتثالاً لقوله تعالى: { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين } ( سورة المائدة، 67 ).
وقد امتثل عليه الصلاة والسلام للأمر وأرسل إلى ملوك الأرض، فكتب إلى ملوك الروم، فقيل له : إنهم لايقرءون كتاباً إلا إذا كان مختوماً، فاتخذ خاتماً من فضة وختم به الكتب إلى الملوك، وبعث كتباً ورسلاً إلى ملوك فارس والروم، والحبشة ومصر والبلقاء واليمامة في يوم واحد، ثم بعث إلى حكام عمان والبحرين واليمن وغيرهم( ).
ولذلك اقتدى عثمان - رحمه الله - بالنبي  في دعوته وسار أبناءه من بعده على هذا المنهج وظهرت في الدولة جماعة الدعوة وكان الحكام والسلاطين يقفون معها ويدعمونها مادياً ومعنوياً، ولقد سلك العثمانيون دولة وشعباً سبلاً متعددة من أجل إدخال النصارى في الاسلام ومن هذه الطرق:
- الاحتفال بمن يعلن اعتناقه للاسلام وإمداده بكل ما يعينه على الحياة والابتهال به في المساجد.
- حرص العثمانيون على التمسك بالدين، والتواضع في أداء الشعائر مما جعل بعض المسيحيين يدخلون في الاسلام.
- معاملة الرقيق من المسيحيين باللين حيث كانوا يعتقونهم إذا ثبت إخلاصهم حتى ولو ظلوا على دينهم ويتولون رعايتهم وبخاصة كبار السن منهم بعد العتق فضلاً عن حسن معاملة من يسلم منهم أو يظل على دينه مما كان دافعاً لكثير منهم على اعتناق الاسلام( ).
- أقبل كثير من العثمانيين على الزواج من مسيحيات حرمت الكنيسة دخولهن فيها مما حدا ببعضهن الى اتباع أزواجهن.
- قام من دخل في الاسلام من النصارى بدعوة أقاربهم وذويهم لما رأو من سماحة الاسلام وأنسجامه مع الفطرة، ومخاطبته للعقل، وأحياءه للقلب.
- قامت الدولة العثمانية بنقل قبائل اسلامية تابعة لها الى قرى مسيحية ونقلت أعداد من النصارى الى تجمعات اسلامية مما ساعد على انتشار الاسلام تدريجياً.
- قام السلطان مراد باتباع سياسة الأفراج عن الأسرى إذا هم اعتنقوا الاسلام وأسهم ذلك الأسلوب في زيادة عدد المسلمين.
- ومما ساعد على انتشار الاسلام في البلقان تعسف الإقطاعيين المحليين في فرض الضرائب الباهظة أن كبار رجال الدين من الإقطاعيين قد باعوا أسرار الكنيسة ووظائفها من جهة وسعوا في توثيق علاقاتهم بالنظام العثماني بل بعضهم دخل في الاسلام.
- توسع سلاطين العثمانيين في المنح والعطايا والتقدير لزعماء النصارى الذي أقبلوا على الاسلام وأظهر كثيرون منهم الاخلاص للدولة العثمانية( ).
لقد أهتم العثمانيون بأمر الدعوة الى الله على مستوى الخارجي وادخال الناس في دين الاسلام ولم يتركوا أمر الإصلاح الداخلي في الدولة واحياء فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
لقد بين عثمان الأول -رحمه الله- أن حماية أعراض المسلمين وأموالهم أمانة في عنق الحاكم المسلم وهذه الأمور تدخل تحت عبادة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتنفيذ الحدود، والدعوة الى مكارم الأخلاق وتعليم الأمة أمر دينها، ويكون ذلك باشراف الحاكم المسلم، فيترتب على تلك الأمور فوائد ومصالح عامة للأمة والأفراد، والحكام والمحكومين ومن أهم هذه الفوائد:
- إقامة المِـلَّة والشريعة وحفظ العقيدة والدين لتكون كلمة الله هي العليا.
قال تعالى : {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يُذكر فيها اسم الله كثيراً} (سورة الحج: آية 40).
إن الإنسان لابد له من أمر ونهي ودعوة ، فمن لم يأمر بالخير ويدعو إليه أمر بالشر( ).
- رفع العقوبات العامة: قال تعالى : {وما أصبكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} (سورة الشورى: آية 30). وقال أيضاً في الجواب عن سبب مصابهم يوم أحد : {قل هو من عند أنفسكم} (سورة آل عمران: آية 165). فالكفر والمعاصي بأنواعها سبب للمصائب والمهالك قال تعالى: {فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلاً مما أنجينا منهم...} (سورة هود: آية 116). وقال: {وماكان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون} (سورة هود: آية 117). "وهذه اشارة تكشف عن سنة من سنن الله في الأمم، فإن الأمة التي يقع فيها الظلم والفساد فيجدان من ينهض لدفعهما هي أمم ناجية لايأخذها الله بالعذاب والتدمير"( ).
- استنزال الرحمة من الله تعالى؛ لأن الطاعة والمعروف سبب للنعمة قال تعالى : {وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدكم ..} (سورة ابراهيم: آية7) والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نوع من العبودية لله.
- تحقيق وصف الخيرية في هذه الأمة:
قال تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله}.
- التجافي عن صفات المنافقين:
{والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله...} (سورة التوبة: أية 7).
5- (يابني أحط من أطاعك بالإعزاز ، وأنعم على الجنود) ( ):
إن أمة الاسلام تحتاج لكي تقوم بمهمتها في هداية الناس للخير الى أن تكون صالحة في نفسها، مصلحة لغيرها، فهي الشهيدة على الأمم لأنها أمة الوسط.
قال سبحانه : {وكذلك جعناكم أمة وسطاً لتكون شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً} (سورة البقرة: آية 143).
وهناك حقوق متبادلة بين الراعي والرعية، والحاكم والمحكوم، ومن وصية عثمان -رحمه الله- لابنه يبين له حق الرعية على الحاكم ولقد حرص العثمانيون كحكام على تنفيذ حقوق الرعية ومن أهم هذه الحقوق التي قاموا بها:
1. العمل على الإبقاء على عقيدة الأمة صافية نقية.
2. بذل الأسباب المؤدية الى وحدة الأمة.
3. العمل على حماية الأمة من أعداء الخارج.
4. أن يعمل الولاة على حماية الأمة من المفسدين والمحاربين.
5. إعداد الأمة إعداداً جهادياً.
6. حفظ ماوضعت الشريعة لاجله.
7. تحصيل الصدقات وأموال الزكاة والخراج والفيء وصرفها في مصارفها
الشرعية.
8. تحري الأمانة في اختيار ارباب المناصب.
9. اعطاء حقوق الرعية وما يستحقونه في بيت المال من غير سرف ولا
تقتير، ودفعه في وقت لا تقديم فيه ولا تأخير .
10. الإشراف المباشر على سير الأمور بين الرعية في كل النواحي الأدارية
التي تتعلق بما يصلح أحوالهم( ).
ومن واجبات الرعية تجاه الحكام:
1- قال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} (سورة النساء: آية 59).
وكان المجتمع العثماني شديد السمع والطاعة لحكامه ماداموا ملتزمين بالشريعة؛ لأنهم كانوا على علم بأن طاعة الحكام مقيدة دائماً بطاعة الله ورسوله، كما قال : "لا طاعة في المعصية ، إنما الطاعة في المعروف"( ).
2- النصرة :
كان المجتمع العثماني دائماً يلتف حول حكامه الشرعيين ويلبي دعوة الجهاد ويبذل الغالي والرخيص ويرى ذلك عبادة لله تعالى قال تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى} (سورة المائدة: آية 2).
وكان من مفاهيم المجتمع العثماني السائدة عندهم ؛ من نصرة الحاكم ألا يهان، ومن معاضدته أن يحترم، وأن يكرّم ، فقوامته على الأمة وقيادته لها لإعلاء كلمة الله، تستوجب تبجيله وإجلاله وإكرامه تبجيلاً وإجلالاً وإكراماً لشرع الله سبحانه الذي ينافح ويدافع عنه. يقول رسول الله : "إن من إجلال الله تعالى: إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط"( ).

3- النصح:
إن المجمتع العثماني كان يناصح ولاة أمره ويرى ذلك من صميم الدين لقول رسول الله : "الدين النصحية -ثلاثاً- قال الصحابة ك لمن يارسول الله؟ قال : لله -عز وجل- ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم"( ).
4- التقويم:
لقد استقر في مفهموم المجتمع العثماني أن بقاء الأمة على الاستقامة رهن استقامة ولاتها، ولذلك نجد في التاريخ العثماني صور مشرفة في تقويم الحكام وأرشادهم ونصحهم ، فهذا المولى علاء الدين علي بن أحمد الجمالي المتوفى سنة 932هـ ، فقد كان عالماً عاملاً يمضي وقته في التلاوة والعبادة والدرس والفتوى، محافظاً على الصلوات الخمس مع الجماعة، وكان كريم النفس ، طيب الاخلاق، عظيم المهابة ، صدّاعاً بالحق، عفيف اللسان لايذكر أحد بسوء ولعلاء الدين احتساب عظيم مع السلطان سليم خان المتوفى عام 926هـ ومن ذلك: أن السلطان سليم أمر بقتل مائة وخمسين من موظفيه، فلما سمع المولى علاء الدين بالأمر ذهب الى الديوان، ولم تكن عادته الحضور الى السلطان إلا لأمر عظيم، فلم يشعر الوزراء وأهل الديوان إلا بدخول الشيخ المفتي عليهم، فوثبوا يستقبلونه حتى أقعدوه في صدر المجلس وقالوا له : أي شيء دعا المولى الى المجيء الى الديوان العالي؟ قال: أريد أن أدخل على السلطان ولي معه كلام، فأستأذنوا له على السلطان، فأذن له وحده فدخل عليه وجلس، وقال : وظيفة أرباب الفتوى أن يحافظوا على آخرة السلطان، وقد سمعت بأنك أمرت بقتل مائة وخمسين رجلاً من أرباب الديوان لايجوز قتلهم شرعاً، فغضب السلطان وكان صاحب حدة، وقال له: لا تتعرض لأمر السلطنة وليس ذلك من وظفيتك، فقال الشيخ: بل أعترض لأمر آخرتك، وإنه من وظيفتي ، ومهما عشت فإنك ميت ومعروض على الله، وواقف بين يديه للحساب، فإن عفوت فلك النجاة، وإلا فإن أمامك جهنم وعليك عقاب عظيم ، ولا يعصمك ملكك ولا ينجيك سلطانك، فما كان من السلطان إلا الاذعان والتسليم أمام نداء الحق من هذا المحتسب، وخضع للحق، وعفا عنهم جميعاً ، ثم إن المحتسب لم يكتف بذلك بل طالبه أن يعيد الجميع الى وظائفهم ففعل. رحم الله المولى علاء الدين الذي كان عظيماً باحتسابه جريئاً في الحق لايخشى فيه لومة لائم ولقد تأثر السلطان سليم بهذا العالم وأرسل إليه بعد ذلك وطلب منه أن يكون قاضي العسكر وقال له جمعت لك بين الطرفين لاني تحققت أنك تتكلم بالحق، فكتب إليه وصل اليّ كتابك سلمك الله تعالى وأبقاك وأمرتني بالقضاء وأني أمتثل أمرك إلا أن لي مع الله تعالى عهداً أن لاتصدر عني لفظة حكمت فأحبه السلطان محبة عظيمة( ).
وهكذا سار العثمانيون على المنهج الذي وضعه لهم المؤسس الأول.
6- (ولايغرنك الشيطان بجندك ومالك) ( ):
وهذه المعاني يعيشها من فهم القرآن الكريم وتأثر به، وتأمل في سير الانبياء والمرسلين والمصلحين، لأنه يعلم أن التوفيق من الله تعالى وليس بالجند ولا بالمال وهكذا كان موقف يوسف عليه السلام قال تعالى: {رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السموات والأرض أنت ولي في الدنيا والآخرة توفني مسلماً وألحقني بالصالحين} (سورة يوسف:آية 110). وهكذا يناجي يوسف عليه السلام ربه؛ فيقول أصبحت ممكناً في الأرض تشد الي الرحال، وتنصاع لكلمتي الرجال، ورزقتني الفهم وصواب تأويل الرؤى ، وتفسير الأحاديث ويرجع الفضل الى صاحب المن والفضل يقول ابن القيم: "جمعت هذه الدعوة الإقرار بالتوحيد والاستسلام للرب وإظهار الافتقار إليه، والبراءة من موالاة غيره سبحانه، وكون الوفاة على الاسلام أجل غايات العبد، وأن ذلك بيد الله لا بيد العبد، والاعتراف بالمعاد وطلب مرافقة السعداء"( ).
وهذا ذو القرنين عندما تمّ بناء سدِّه العظيم وكان يملك الجنود والمال ويتحكم في الشعوب بالعدل قال: {هذا رحمة من ربي} (سورة الكهف: آية97). إنها عبارة جميلة مباركة تشير الى عدة معاني:
1- قال سيد قطب : (ونظر ذو القرنين الى العمل العظيم الذي قام به؛ فلم يأخذه البطر والغرور، ولم تسكره نشوة القوة والعلم، ولكنه ذكر الله فشكره، ورد إليه العمل الصالح الذي وفقه إليه...)( ).
إن من أعظم صور الذكر أن يتذكر العبد فضل الله عليه ، فيستشعر أن فضل الله عليه عظيم ؛ فيتواضع ويعدل ويذكر ويشكر.
وهكذا كانت وصية عثمان لابنه يحذره فيه من الشيطان ومسالكه ومداخله ويدعوه الى الاحتراز من كيده.
7- (وأن بالجهاد يعم نور ديننا كل الآفاق، فتحدث مرضات الله جل جلاله)( )
إن عثمان الأول -رحمه الله تعالى- كان يرى أن نشر دين الله في كل الآفاق من وسائله الجهاد في سبيل الله تعالى، وأن الغاية العليا للجهاد في سبيل الله هي إعلاء كلمة الله لتحقيق عبادته وحدة لا شريك له كما قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون  ماأريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} (سورة الذاريات: آية 56،58).
ومفهوم العبادة شامل لنشاط الاسلام كله ويفسر ذلك قوله تعالى: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} (سورة الأنعام: آية ).
ومن أجل هذه الغاية انطلق عثمان الأول بجنوده وشعبه مجاهداً في سبيل الله ولسان حاله يقول ابتعثنا الله لنخرج من شاء من عبادة العباد الى عبادة الله ومن ضيق الدنيا الى سعتها ومن جور الأديان الى عدل الاسلام، لقد كانت وسيلة العثمانيين من أجل إقامة حكم الله ونظام الاسلام في الأرض الجهاد في سبيل الله.
وعندما حاولت دول النصارى أن تعمل على منع توسع الدولة العثمانية وباشروا في شن هجموهم عليها كانت وسيلة الجهاد كالصخرة العظيمة التي تتحطم عليه محاولتهم المتكررة وامام قادة العثمانيين قول الله تعالى : {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين  واقتلوهم حيث ثقفتموهم، وأخرجوهم من حيث أخرجوكم، والفتنة أشد من القتل} (سورة البقرة: آية 190-192).
ولقد عمل العثمانيون بهذه النصيحة والوصية، فعملوا على إزالة كل العوائق التي تمنع الناس من سماع دعوة الله تعالى التي جاءت لتعطي الناس أكمل تصور للوجود والحياة وبأرقى نظام لتطويرها.
ولقد جاهدت الدولة العثمانية في سبيل الله تعالى وفتح الله على يديها دول وشعوب لازال الإسلام باقياً فيها حتى الآن مثل دول البلقان وعملت على حماية شعوب المسلمين من هجمات النصارى الغاشمة ، فكانت سبباً في بقاء الشمال الأفريقي على اسلامه ودينه وعقيدته ، وكانت عاملاً مهماً في حماية الأراضي المقدسة من البرتغاليين ومن دخل تحت لوائهم من النصارى الى غير ذلك من الأعمال الجليلة التي سنفصلها في بحثنا هذا بإذن الله تعالى.

8- (من انحرف عن سلالتي عن الحق والعدل حرم من شفاعة الرسول  الأعظم يوم المحشر) ( ):
إن عثمان -رحمه الله تعالى - يتبرأ من ممن ينحرف عن الحق والعدل من ذريته ويدعوا من جاء بعده بالتمسك بالحق وإقامة العدل.
إن العدل هو الدعامة الرئيسية في اقامة المجتمع الاسلامي والحكم الرباني؛ فلا وجود للإسلام في مجتمع يسوده الظلم ولا يعرف العدل ولذلك اهتم الاسلام بتقرير هذه القاعدة وتأسيسها وتدعيمها؛ فأكثر الحديث عنها في الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية ومن هذه النصوص:
• قال تعالى : {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} (سورة النحل: آية9) وأمر الله بفعل كما هو معلوم يقتضي وجوبه.
• قال تعالى : {إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات الى أهلها واذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل..} (سورة النساء : آية 58) .
• وقال تعالى : {يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على انفسكم أو الوالدين والأقربين ان يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى ان تعدلوا وان تلوا او تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً} (سورة النساء: آية 135).
ثم إن ترك العدل يعد ظلماً، والله سبحانه وتعالى حرم الظلم وذم أهله وتوعدهم بالعذاب الشديد يوم القيامة والهلاك في الدنيا( ). قال تعالى : {ولاتحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون} (سورة ابراهيم: آية 42).
ومن خلال هذه التوجيهات الربانية حرص عثمان على إقامة العدل بين الناس وعمل أن يكون هذا المبدأ واقعاً تعيشه الأمة العثمانية من بعده حيث وكان يتحرك بجيوشه ويوظف كل إمكاناته من أجل نشر التوحيد وتعريف الناس بخالقهم، ولقد جمع بين الفتوحات العظيمة بحد السيف وفتوحات القلوب بالإيمان والإحسان وكان دستوره في التعامل مع الناس قول الله تعالى: { أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد الى ربه فيعذبه عذاباً نكراً  وأما من آمن وعمل صالحاً فله جزاء الحسنى ، وسنقول له من أمرنا يسراً...}( سورة الكهف: آية 87،88).
ولذلك حرص في وصيته على أن يحكم من بعده بالحق والعدل وفي رواية يقول لابنه في الوصية: (اعدل في جميع شؤونك...)( ).
9- (يابني لسنا من هؤلاء الذين يقيمون الحروب لشهوة حكم أو سيطرة أفراد، فنحن بالاسلام نحيا وبالاسلام نموت) ( )
إن هذه الفقرة من الوصية تبين طبيعة تكوين الدولة العثمانية عن غيرها من الدول، فالغاية التي قامت من أجلها إنما هي الدفاع عن الاسلام ورفع رايته في مشارق آسيا الصغرى والقضاء على الدولة البيزنطية التي كانت تهدد المسلمين في ديارهم ومن ثم أطلق على زعيم هذه الدولة الناشئة لقب الغازي، أي المجهاد في سبيل الله، وكان يتلقى هذا اللقب في حفل مشهود بتسليم يه راية الجهاد من عالم كبير( ) وأن الغازي عثمان -رحمه الله- دعا المسلمين من الترك وغيرهم لينضموا تحت راية الجهاد في سبيل الله فاستجاب له الكثير من المؤمنين الصابرين تحدوهم جميعاً رغبة شديدة في الانتصار لدين الله بالقضاء على الدولة البيزنطية( ).
هذه الوصية الخالدة هي التي سار عليها الحكام العثمانيون في زمن قوتهم ومجدهم وعزتهم وتمكينهم.
ترك عثمان الأول الدولة العثمانية وكانت مساحتها تبلغ 16.000 كيلومتر مربع واستطاع أن يجد لدولته الناشئة منفذ على بحر مرمرة واستطاع بجيشه أن يهدد أهم مدينتين بيزنطيتين في ذلك الزمان وهي : ازنيق وبورصة( ).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عبدالعظيم الجزار
عماري أصيل
عماري أصيل
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 503
العمر : 44
المكان : العمار الكبرى
الحالة : بحب العمار وأهل العمار
الهواية : القراءة
تاريخ التسجيل : 05/03/2008
التـقــييــم : 0

مُساهمةموضوع: رد: الدولة العثمانية -عوامل النهوض وأسباب السقوط- د/علي محمد محمد الصلابي   الجمعة 10 يونيو 2011, 10:42 am

المبحث الثاني
السلطان اورخان بن عثمان
726-761هـ/1327-1360م

بعد وفاة عثمان تولى الحكم ابنه أورخان، وسار على نفس سياسة والده في الحكم والفتوحات، وفي عام 727هـ الموافق 1327هـ سقطت في يده نيقوميديا، وتقع في شمال غرب آسيا الصغرى قرب مدينة اسطنبول وهي مدينة أزميت الحالية، فأنشأ بها أول جامعة عثمانية، وعهد بإدارتها إلى داود القيصري، أحد العلماء العثمانيين الذين درسوا في مصر( ) واهتم ببناء الجيش على أسس عصرية وجعله جيشاً نظامياً( ).
وحرص السلطان أورخان على تحقيق بشارة رسول الله  في فتح القسطنطينية ووضع خطة استراتيجية تستهدف إلى محاصرت العاصمة البيزنطية من الغرب والشرق في آن واحد، ولتحقيق ذلك أرسل ابنه وولي عهده "سليمان " لعبور مضيق " الدردنيل " والاستيلاء على بعض المواقع في الناحية الغربية.
وفي عام ( 758هـ ) اجتاز سليمان مضيق " الدردنيل " ليلاً مع أربعين رجلاً من فرسان الإسلام ولمّا أدركوا الضفة الغربية، استولوا على الزوارق الرومية الراسية هناك، وعادوا بها إلى الضفة الشرقية، إذ لم يكن للعثمانيين أسطول حينذاك حيث لاتزال دولتهم في بداية تأسيسها، وفي الضفة الشرقية أمر " سليمان " جنوده، أن يركبوا في الزوارق حيث تنقلهم إلى الشاطئ الأوربي حيث فتحوا ميناء قلعة " ترنب "، " وغاليبولي " التي فيها قلعة " جنا قلعة " و "أبسالا " " ورودستو " وكلها تقع على مضيق " الدردنيل " من الجنوب إلى الشمال، وبهذا خطا هذا السلطان خطوة كبيرة استفاد بها من جاء بعده في فتح " القسطنطينية "( ).
أولاً : تأسيس الجيش الجديد ديني تتارى :
إن من أهم الأعمال التي ترتبط بحياة السلطان أورخان، تأسيسه للجيش الإسلامي وحرص على إدخال نظاماً خاصاً للجيش، فقسمه إلى وحدات تتكون كل وحدة من عشرة أشخاص، أو مائة شخص، أو ألف شخص، وخصص خمس الغنائم للانفاق منها على الجيش، وجعله جيشاً دائماً بعد أن كان لايجتمع إلا وقت الحرب، وأنشأ له مراكز خاصة يتم تدريبه فيها( ).
كما أنه أضاف جيشاً آخر عرف بالانكشارية( )، شكله من المسلمين الجدد الذين ازداد عددهم بعد اتساع رقعة الدولة وانتصاراتها الكبيرة في حروبها مع أعدائها من غير المسلمين، ودخول أعداد كبيرة من أبناء تلك البلاد المفتوحة في الإسلام، ثم انضمامهم إلى صفوف المجاهدين في سبيل نشر الإسلام، فبعد أن يعتنقوا الإسلام ويتم تربيتهم تربية إسلامية فكرياً وحربياً يعينون في مراكز الجيش المختلفة، وقد قام العلماء والفقهاء مع سلطانهم أورخان بغرس حب الجهاد والذود عن الدين والشوق إلى نصرته أو الشهادة في سبيله وأصبح شعارهم ( غازياً أو شهيداً ) عندما يذهبون إلى ساحة الوغى( ).
ولقد زعم معظم المؤرخين الأجانب أن جيش الانكشارية تكون من انتزاع أطفال النصارى من بين أهاليهم ويجبرونهم على اعتناق الإسلام، بموجب نظام أو قانون زعموا أنه كان يدعى بنظام ( الدفشرية )، وزعموا أن هذا النظام كان يستند إلى ضريبة إسلامية شرعية أطلقوا عليها اسم " ضريبة الغلمان " وأسموها أحياناً " ضريبة الأبناء " ، وهي ضريبة زعموا أنها تبيح للمسلمين العثمانيين أن ينتزعوا خمس عدد أطفال كل مدينة أو قرية نصرانية ، باعتبارهم خمس الغنائم التي هي حصة بيت مال المسلمين ومن هؤلاء المؤرخين الأجانب الذين افتروا على الحقيقة، كارل بروكلمان، وجيبونز، وجب( ) ، إن الحقيقة تقول أن نظام الدثرمة المزعوم ليس سوى كذبة دُسَّت على تاريخ أورخان بن عثمان ومراد بن أورخان وانسحبت من بعده على العثمانيين قاطبة، فلم يكن نظام الدثرمة هذا إلا اهتماماً من الدولة العثمانية بالمشردين من الأطفال النصارى الذين تركتهم الحروب المستمرة أيتاماً أو مشردين، فالإسلام الذي تدين الدولة العثمانية به يرفض رفضاً قاطعاً ما يسمى بضريبة الغلمان التي نسبها المغرضون من المؤرخين الأجانب إليها.
لقد كانت أعداد هائلة من الأطفال فقدوا آبائهم وأمهاتهم بسبب الحروب والمعارك، فاندفع المسلمون العثمانيون إلى احتضان أولئك الأطفال الذين هاموا في طرقات المدن المفتوحة بعد فقدانهم لآبائهم وأمهاتهم وحرصوا على تأمين مستقبل كريم لهم وهل من مستقبل كريم وأمين إلا في الإسلام، أفاءن يحرص المسلمون على أن يعتنق الأطفال المشردون التائهون الإسلام، انبرى المفترون يزعمون أن المسلمين كانوا ينتزعونهم من أحضان آبائهم وأمهاتهم ؟؟ ويكرهونهم على الإسلام.
ومن المؤسف أن هذه الفرية الحاقدة، وهذا الإفك المبين، وهذا البهتان العظيم التقفه بعض المؤرخين المسلمين يدرسونه في مدارسهم وجامعاتهم وكأنه أمر مسلم به ويطرح على الطلاب كأنه حقيقة من الحقائق ولقد تأثر بكتب المؤرخين الأجانب مجموعة من المؤرخين المسلمين ومن هؤلاء من يشهد له بالغيرة على الإسلام، فأصبحوا يرددون هذا البهتان في كتبهم من أمثال، المؤرخ محمد فريد بك المحامي في كتابه الدولة العلية العثمانية، والدكتور علي حسون في كتابه، تاريخ الدولة العثمانية، والمؤرخ محمد كرد في كتابه خطط الشام، والدكتور عمر عبدالعزيز في كتابه " محاضرات في تاريخ الشعوب الإسلامية " والدكتور عبدالكريم غرايبه في كتاب العرب والأتراك.
الحقيقة تقول كل من ذكر ضريبة الغلمان أو أخذهم بالقوة من ذويهم تحت قانون أخذ خمس أطفال المدن والقرى ليس له دليل إلا كتب المستشرقين، كجب، المؤرخ النصراني سوموفيل، أو بركلمان وهؤلاء لايطمئن إليهم في كتابة التاريخ الإسلامي ولا إلى نواياهم تجاه الإسلام وتاريخ الإسلام.
إن الذين يربون تربية خاصة على الجهاد لم يكونوا نصارى وإنما كانوا أبناء آباء مسلمين انخلعوا عن النصرانية، واهتدوا إلى الإسلام، وشرعوا من أنفسهم وعن طواعية لا عن إكراه، يقدمون أبناءهم للسلطان ليستكمل تربيتهم تربية إسلامية، أما باقي الأطفال فقد كانوا من الأيتام والمشردين الذين أفرزتهم الحروب فاحتضنتهم الدولة العثمانية.
إن حقيقة الجيش الجديد الذي أنشأه أورخان بن عثمان هي تشكيل جيش نظامي يكون دائم الاستعداد والتواجد قريباً منه في حالة الحرب أو السلم على حد سواء، فشكل من فرسان عشيرته ومن مجاهدي النفير الذين كانوا يسارعون لاجابة داعي الجهاد ومن أمراء الروم وعساكرهم الذين دخل الإسلام في قلوبهم، وحسن إسلامهم وما كاد أورخان ينتهي من تنظيم هذا الجيش حتى سارع إلى حيث يقيم العالم المؤمن التقي الحاج بكتاش وطلب منه أن يدعو لهم خيراً، فتلقاهم العالم المؤمن خير لقاء ووضع يده على رأس أحد الجنود، ودعا لهم الله أن يبيض وجوههم، ويجعل سُيوفهم حادة قاطعة، وأن ينصرهم في كل معركة يخوضونها في سبيل الله ثم مال تجاه أورخان فسأله، هل اتخذت لهذا الجيش اسماً.. ؟ قال: لا، قال: فليكن اسمه " يني جري " وتلفظ " يني تشري " أي الجيش الجديد.
وكانت راية الجيش الجديد من قماش أحمر وسطها هلال، وتحت الهلال صورة لسيف أطلقوا عليه اسم " ذي الفقار " تيمناً بسيف الإمام علي رضي الله عنه( ).
لقد كان علاء الدين بن عثمان أخو أورخان صاحب الفكرة وكان عالماً في الشريعة ومشهور بالزهد والتصوف الصحيح( ).
وعمل أورخان على زيادة عدد جيشه الجديد بعد أن ازدادت تبعات الجهاد ومناجزة البيزنطيين، فاختار عدداً من شباب الأتراك، وعدداً من شباب البيزنطيين الذين أسلموا وحسن إسلامهم، فضمهم إلى الجيش واهتم اهتماماً كبيراً بتربيتهم تربية إسلامية جهادية.
ولم يلبث الجيش الجديد حتى تزايد عدده، وأصبح يضم آلافاً من المجاهدين في سبيل الله.
لقد كان أورخان وعلاء الدين متفقين على أن الهدف الرئيسي لتشكيل الجيش الجديد، هو مواصلة الجهاد ضد البيزنطيين وفتح المزيد من أراضيهم بهدف نشر الإسلام فيها، والاستفادة من البيزنطيين الذين أسلموا في نشر الإسلام بعد أن يكونوا تلقوا تربية إسلامية جهادية وترسخت في قلوبهم مبادئ الإسلام سلوكاً وجهاداً.
وخلاصة القول، أن السلطان أورخان، لم ينتزع غلاماً نصرانياً واحداً من بيت أبيه، ولم يكره غلاماً نصرانياً واحداً على اعتناق الإسلام، وأن كل ما زعمه بروكلمان وجيب وجببونز، كذب واختلاق، ينبغي أن تزال آثاره من كتب تاريخنا الإسلامي( ) إن من مقتضيات الأمانة العلمية، والأخوة الإسلامية، تضع في عنق كل مسلم غيور، وخاصة العلماء والمثقفين والمفكرين، والمؤرخين والمدرسين، والباحثين، والإعلاميين، أمانة نسف هذه الفرية ودحض هذه الشبهة التي ألصقت بالعثمانيين وأصبحت كأنها حقيقة لاتقبل النقاش والمراجعة والحوار.
ثانياً: سياسة أورخان الداخلية والخارجية:
كانت غزوات أورخان منصبة على الروم ولكن حدث في سنة
(736هـ-1336م) أن توفي أمير قره سي - وهي إحدى الإمارات التي قامت على أنقاض دولة سلاجقة الروم واختلف ولده من بعده وتنازعا الإمارة . واستفاد أورخان من هذه الفرصة فتدخل في النزاع وانتهى بالإستيلاء على الإمارة وقد كان مما تهدف إليه الدولة العثمانية الناشئة أن ترث دولة سلاجقة الروم في آسيا الصغرى وترث ماكانت تملكه واستمر الصراع لذلك بينها وبين الإمارات الأخرى حتى أيام الفاتح حيث تم إخضاع آسيا الصغرى برمتها لسلطانه.
واهتم أورخان بتوطيد أركان دولته وإلى الأعمال الإصلاحية والعمرانية ونظم شؤون الإدارة وقوى الجيش وبنى المساجد وانشأ المعاهد العلمية( ) وأشرف عليها خيرة العلماء والمعلمون وكانوا يحظون بقدر كبير من الاحترام في الدولة، وكانت كل قرية بها مدارسها وكل مدينة بها كليتها التي تعلم النحو والتراكيب اللغوية والمنطق والميتافزيقا وفقه اللغة وعلم الإبداع اللغوي والبلاغة والهندسة والفلك( ) وبالطبع تحفيظ القرآن وتدريس علومه والسنة والفقه والعقائد.
وهكذا أمضى أورخان بعد استيلائه على إمارة قره سي عشرين سنة دون أن يقوم بأي حروب، بل قضاها في صقل النظم المدنية والعسكرية التي أوجدتها الدولة، وفي تعزيز الأمن الداخلي، وبناء المساجد ورصد الأوقاف عليها وإقامة المنشآت العامة الشاسعة، مما يشهد بعظمة أورخان وتقواه، وحكمته وبعد نظره، فإنه لم يشن الحرب تلو الحرب طمعاً في التوسع وإنما حرص على تعزيز سلطانه في الأراضي التي يتاح له ضمها. وحرص على طبع كل أرض جديدة بطابع الدولة المدني والعسكري والتربوي والثقافي وبذلك تصبح جزءاً لايتجزأ من أملاكهم، بحيث أصبحت أملاك الدولة في آسيا الصغرى متماثلة ومستقرة.
وهذا يدل على فهم واستيعاب أورخان لسنة التدرج في بناء الدول وإقامة الحضارة، وإحياء الشعوب.
وما أن تمّ أورخان البناء الداخلي حتىحدث صراع على الحكم داخل الدولة البيزنطية وطلب الأمبراطور ( كونتاكوزينوس ) مساعده السلطان أورخان ضد خصمه، فأرسل قوات من العثمانيين لتوطيد النفوذ العثماني في أوربا. وفي عام 1358 أصاب زلزال مدن تراقيا فانهارت أسوار غاليبولي وهجرها أهلها مما سهل على العثمانيين دخولها. وقد احتج الإمبراطور البيزنطي على ذلك دون جدوى - وكان رد أورخان أن العناية الإلهية قد فتحت أبواب المدينة أمام قواته. ومالبثت غاليبولي أن أصبحت أول قاعدة عثمانية في أوربا، ومنها انطلقت الحملات الأولى التي توجت في النهاية بالإستيلاء على كل شبه جزيرة البلقان.. وحين انفرد حنا الخامس باليولوجس بحكم بيزنطة أقر كل فتوح أورخان في أوروبا في مقابل تعهد السلطان بتسيهل وصول الطعام والمؤن إلى القسطنطينية. وأرسل أورخان أعداداً كبيرة من القبائل المسلمة بغية الدعوة إلى الإسلام ومنع تمكن النصارى من طرد العثمانيين من أوربا( ).
ثالثاً: العوامل التي ساعدت السلطان أورخان في تحقيق أهدافه :
1- المرحلية التي سار عليها أورخان واستفادته من جهود والده عثمان ووجود الإمكانيات المادية والمعنوية التي ساعدتهم على فتح الأراضي البيزنطية في الأناضول وتدعيم سلطتهم فيها ولقد تميزت جهود أورخان بالخطى الوئيدة والحاسمة في توسيع دولته ومد حدودها، ولم ينتبه العالم المسيحي إلى خطورة الدولة العثمانية إلا بعد أن عبروا البحر واستولوا على غاليبولي( ).
2- كان العثمانيون - يتميزون - في المواجهة الحربية التي تمت بينهم وبين الشعوب البلقانية - بوحدة الصف ووحدة الهدف ووحدة المذهب الديني وهو المذهب السني.
3- وصول الدولة البيزنطية إلى حالة من الإعياء الشديد وكان المجتمع البيزنطي قد أصابه تفكك سياسي وانحلال ديني واجتماعي، فسهل على العثمانيين ضم أقاليم هذه الدولة.
4- ضعف الجبهة المسيحية نتيجة لعدم الثقة بين السلطات الحاكمة في الدولة البيزنطية وبلغاريا وبلاد الصرب والمجر، ولذلك تعذر في معظم الأحيان تنسيق الخطط السياسية والعسكرية للوقوف في جبهة واحدة ضد العثمانيين( ).
5- الخلاف الديني بين روما والقسطنطينية أي بين الكاثوليك والأرثوذكسية الذي استحكمت حلقاته وترك آثاراً عميقة الجذور في نفوس الفريقين.
6- ظهور النظام العسكري الجديد على أسس عقدية، ومنهجية تربوية وأهداف ربانية وأشرف عليه خيرة قادة العثمانيين.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عبدالعظيم الجزار
عماري أصيل
عماري أصيل
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 503
العمر : 44
المكان : العمار الكبرى
الحالة : بحب العمار وأهل العمار
الهواية : القراءة
تاريخ التسجيل : 05/03/2008
التـقــييــم : 0

مُساهمةموضوع: رد: الدولة العثمانية -عوامل النهوض وأسباب السقوط- د/علي محمد محمد الصلابي   الجمعة 24 يونيو 2011, 8:23 am

المبحث الثالث
السلطان مراد الأول
761-791هـ/1360-1389م

كان مراد الأول شجاعاً مجاهداً كريماً متديناً، وكان محباً للنظام متمسكاً به، عادلاً مع رعاياه وجنوده، شغوفاً بالغزوات وبناء المساجد والمدارس والملاجئ وكان بجانبه مجموعة من خيرة القادة والخبراء والعسكريين، شكل منهم مجلساً لشورته، وتوسع في آسيا الصغرى وأوربا في وقت واحد.
ففي أوربا هاجم الجيش العثماني أملاك الدولة البيزنطية ثم استولى على مدينة أدرنه في عام ( 762هـ/ 1360م ) وكانت لتلك المدينة أهمية استراتيجية في البلقان، وكانت ثاني مدينة في الإمبراطورية البيزنطية بعد القسطنطينية. واتخذ مراد من هذه المدينة عاصمة للدولة العثمانية منذ عام (768هـ / 1366م )، وبذلك انتقلت العاصمة إلى أوربا، وأصبحت أدرنه عاصمة إسلامية، وكان هدف مراد من هذه النقلة:
1- استغلال مناعة استحكامات أدرنة الحربية وقربها من مسرح العمليات الجهادية.
2- رغبة مراد في ضم الأقاليم الأوربية التي وصلوا إليها في جهادهم وثبتوا أقدامهم فيها.
3- جمع مراد في هذه العاصمة كل مقومات النهوض بالدولة وأصول الحكم، فتكونت فيها فئات الموظفين وفرق الجيش وطوائف رجال القانون وعلماء الدين، وأقيمت دور المحاكم وشيدت المدارس المدنية والمعاهد العسكرية لتدريب الانكشارية.
واستمرت أدرنة على هذا الوضع السياسي والعسكري والإداري والثقافي والديني حتى فتح العثمانيون القسطنطينية في عام ( 857هـ- 1453م )، فأصبحت عاصمة لدولتهم( ).
أولاً: تحالف صليبي ضد مراد :
مضى السلطان مراد في حركة الجهاد والدعوة وفتح الأقاليم في أوربا، وانطلق جيشه يفتح مقدونيا، وكانت لانتصاراته أصداء بعيدة، فتكون تحالف أوربي بلقاني صليبي باركه البابا أوربا الخامس، وضم الصربيين والبلغاريين والمجريين، وسكان إقليم والاشيا. وقد استطاعت الدول الأعضاء في التحالف الصليبي أن تحشد جيشاً بلغ عدده ستين ألف جندي تصدى لهم القائد العثماني " لالاشاهين " بقوة تقل عدداً عن القوات المتحالفة، وقابلهم على مقربة من "تشيرمن" على نهر مارتيزا، حيث وقعت معركة مروعة وانهزم الجيش المتحالف، وهرب الأميران الصربيان، ولكنهما غرقا في نهر مارتيزا ، ونجا ملك المجر بأعجوبة من الموت أما السلطان مراد فكان في هذه الأثناء مشتغلاً بالقتال في بلاد آسيا الصغرى حيث فتح عدة مدن ثم عاد الى مقر سلطنته لتنظيم ما فتحه من الأقاليم والبلدان كما هو شأن القائد الحكيم( ).
وكان من نتائج انتصار العثمانيين على نهر مارتيزا أمور مهمة منها:
1- تم لهم فتح إقليم تراقيا ومقدونيا ووصلوا الى جنوبي بلغاريا والى شرقي صربيا.
2- اصبحت مدن وأملاك الدولة البيزنطية وبلغاريا وصربيا تتساقط في أيديهم كأوراق الخريف( ).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عبدالعظيم الجزار
عماري أصيل
عماري أصيل
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 503
العمر : 44
المكان : العمار الكبرى
الحالة : بحب العمار وأهل العمار
الهواية : القراءة
تاريخ التسجيل : 05/03/2008
التـقــييــم : 0

مُساهمةموضوع: رد: الدولة العثمانية -عوامل النهوض وأسباب السقوط- د/علي محمد محمد الصلابي   الجمعة 24 يونيو 2011, 8:24 am

أول معاهدة بين الدولة العثمانية والمسيحية:
لما اشتد ساعد الدولة العثمانية خاف مجاوروها، خصوصاً الضعفاء منهم، فبادرت جمهورية (راجوزه)( ) وارسلت الى السلطان مراد رسلاً ليعقدوا مع السلطان مراد معاهدة ودية وتجارية تعاهدوا فيها بدفع جزية سنوية قدرها 500 دوكا ذهب وهذه أول معاهدة عقدت بين الدولة العثمانية والدول المسيحية( ).
معركة قوصره:
كان السلطان مراد قد توغل في بلاد البلقان بنفسه وعن طريق قواده مما آثار الصرب، فحاولوا في أكثر من مرة استغلال غياب السلطان عن أوروبا في الهجوم على الجيوش العثمانية في البلقان وماجاورها ولكنهم فشلوا في تحقيق انتصارات تذكر على العثمانيين ، فتحالف الصرب والبوسنيون والبلغار وأعدوا جيشاً أوروبياً صليبياً كثيفاً لحرب السلطان الذي كان قد وصل بجيوشه بعد إعدادها إعداداً قوياً الى منطقة كوسفو في البلقان ومن الموافقات التي تذكر أن وزير السلطان مراد الذي كان يحمل معه مصحفاً فتحه على غير قصد فوقع نظره على هذه الآية: {يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفاً من الذين كفروا بأنهم قوم لايفقهون} (سورة الانفال: الآية 65) فاستبثر بالنصر واستبشر معه المسلمون ولم يلبث أن نشب القتال بين الجمعين وحمي وطيسه واشتدت المعركة وانجلت الحرب عن انتصار المسلمين انتصاراً باهراً حاسماً( ).
ثانياً : استشهاد السلطان مراد :
بعد الانتصار في قُوصُووَه، قام السلطان مراد يتفقد ساحة المعركة ويدور بنفسه بين صفوف القتلى من المسلمين ويدعوا لهم، كما كان يتفقد الجرحى، وفي أثناء ذلك قام جندي من الصرب كان قد تظاهر بالموت وأسرع نحو السلطان فتمكن الحراس من القبض عليه، ولكنه تظاهر بأنه جاء يريد محادثة السلطان ويريد أن يعلن اسلامه على يديه، وعند ذلك أشار السلطان للحرس بأن يطلقوه فتظاهر بأنه يريد تقبيل يد السلطان وقام في حركة سريعة بإخراج خنجر مسموم طعن به السلطان فاستشهد رحمه الله في 15 شعبان 791هـ( ).
أ- الكلمات الأخيرة للسلطان مراد:
" لايسعني حين رحيلي إلا أن أشكر الله إنه علام الغيوب المتقبل دعاء الفقير، أشهد إن لا إله إلا الله ، وليس يستحق الشكر والثناء إلا هو، لقد أوشكت حياتي على النهاية ورأيت نصر جند الاسلام. أطيعوا ابني يزيد، ولاتعذبوا الأسرى ولا تؤذونهم ولا تسلبوهم وأودعكم منذ هذه اللحظة وأودع جيشنا الظافر العظيم الى رحمة الله فهو الذي يحفظ دولتنا من كل سوء"( ) لقد استشهد هذا السلطان العظيم بعد أن بلغ من العمر 65 عاماً.
ب- دعاء السلطان مراد قبل إندلاع معركة قوصوه:
كان السلطان مراد يعلم أنه يقاتل في سبيل الله وأن النصر من عنده ولذلك كان كثير الدعاء والإلحاح على الله والتضرع إليه والتوكل عليه ومن دعاءه الخاشع نستدل على معرفة السلطان مراد لربه وتحقيقه لمعاني العبودية ، يقول السلطان مراد في مناجاته لربه : "يا الله يارحيم يارب السموات يامن تتقبل الدعاء لا تخزني يارحمن يارحيم استجب دعاء عبدك الفقير هذه المرة رسل السماء علينا مدراراً وبدد سحب الظلام فنرى عدونا وما نحن سوى عبيدك المذنبين إنك الوهاب ونحن فقراؤك. ما أنا سوى عبدك الفقير المتضرع، وأنت العليم ياعلام الغيوب والأسرار وما تخفي الصدور ليس لي من غاية لنفسي ولا مصلحة ولا يحملني طلب المغنم فأنا لا أطمع إلا في رضاك ياالله ياعليم ياموجود في كل الوجود( ) أفديك روحي فتقبل رجائي ولاتجعل المسلمين يبؤ بهم الخذلان أمام العدو. ياالله ياأرحم الراحمين لاتجعلني سبباً في موتهم، بل أجعلهم المنتصرين، إن روحي أبذلها فداءً لك يارب إني وددت ولازلت دوماً إبغي الاستشهاد من أجل جند الاسلام، فلا ترني ياإلهي محنتهم واسمح لي ياإلهي هذه المرة أن أستشهد في سبيلك ومن أجل مرضاتك..." ( ).
وفي رواية : (يا إلهي ، أنني أقسم بعزتك وجلالك أننى لا أبتغي من جهادي هذه الدنيا الفانية، ولكنني أبتغي رضاك، ولا شيء غير رضاك ياإلهي، أنني أقسم بعزتك وجلالك أنني في سبيلك، فزدني تشريفاً بالموت في سبيلك"( ).
وفي رواية : "ياإلهي ، ومولاي ، تقبل دعائي وتضرعي ، وأنزل علينا برحمتك غيثاً يطفئ من حولنا غبار العواصف، وأغمرنا بضياء يبدد من حولنا الظلمات، حتى نتمكن من ابصار مواقع عدونا فنقاتله في سبيل اعزاز دينك العزيز.
إلهي ومولاي، ان الملك والقوة لك، تمنحها لمن تشاء من عبادك، وأنا عبدك العاجز الفقير، تعلم سري ، وجهري، أقسم بعزتك وجلالك انني لا أبتغي من جهادي حطام هذه الدنيا الفانية ، ولكني أبتغي رضاك ولا شيء غير رضاك.
إلهي، ومولاي، أسألك بجاه وجهك الكريم، أن تجعلني فداء للمسلمين جميعاً، ولا تجعلني سبباً في هلاك أحد من المسلمين في سبيل غير سبيلك القويم.
إلهي، ومولاي ، ان كان في استشهادي نجاة لجند المسلمين فلا تحرمني الشهادة في سبيلك ، لأنعم بجوارك ونعم الجوار جوارك.
إلهي، ومولاي، لقد شرفتني بأن هديتني الى طريق الجهاد في سبيلك ، فزدني شرفاً بالموت في سبيلك"( ).
إن هذا الدعاء الخاشع دليل على معرفة السلطان مراد لله عز وجل ، وعلى أنه حقق شروط كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) ولقد اجتمعت شروطها في سلوكه وحياته فهو على :
- علم بمعناها المراد بها نفياً وإثباتاً المنافي للجهل بذلك قال تعالى: {فاعلم أنه لا إله إلا الله} (سورة محمد : آية 19).
وقال تعالى: {إلا من شهد بالحق وهم يعلمون} (سورة الزخرف: آية 86). أي بـ " لا إله إلا الله" وهم يعلمون "بقلوبهم مانطقوا به بألسنتهم .
- اليقين المنافي للشك، فقد كان السلطان مراد مستقيناً بمدلول هذه الكلمة، يقيناً جازماً، فإن الايمان لايغني فيه إلا علم اليقين لا علم الظن( ). قال تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} (سورة الحجرات: آية 15).
- قبوله لما أقتضته هذه الكلمة بقلبه ولسانه، وانقياده لما دلت عليه من أوامر واجتناب للنواهي قال تعالى: {ومن يسلم وجهه الى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى} (سورة لقمان: آية 22).
قال تعالى: {فلا وربك لايؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لايجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما} (سورة
- كان صادقاً مع ربه، مخلصاً اخلاصاً طهر به شوائب الشرك من نفسه قال تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء}(سورة البينة: آية5).
- كان مخلصاً لخالقه مستعداً لبذل النفس والمال في سبيله قال تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشدُ حباً لله...} (سورة البقرة: آية 165).
وقال تعالى : {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم...} (سورة المائدة: آية 54).
وفي الحديث الصحيح: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الايمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار"( ).
لقد فهم السلطان مراد حقيقة الايمان وكلمة التوحيد وذاق آثارها في حياته، فنشأت في نفسه آنفة وعزة مستمدة من الايمان بالله ، فايقن أنه لا نافع إلا الله، فهو المحي والمميت، وهو صاحب الحكم والسلطة والسيادة ومن ثم نزع من قلبه كل خوف إلا منه سبحانه، فلم يطأطأ راسه أمام احد من الخلق، ولا يتضرع إليه، ولا يرتع من كبريائه وعظمته، لأنه على يقين بأن الله هو القادر العظيم ، ولقد اكسبه الايمان بالله قوة عظيمة من العزم والإقدام والصبر والثبات والتوكل والتطلع الى معالي الأمور ابتغاء مرضاته سبحانه وتعالى، فكان في المعارك التي خاضها ثابتاً كالجبال الراسية وكان على يقين راسخ بأن المالك الوحيد لنفسه وماله هو الله سبحانه وتعالى ولذلك لم يبالي بأن يضحي في سبيل مرضاة ربه بكل غال ورخيص.
أن السلطان مراد عاش حقيقة الإيمان ولذلك اندفع الى ساحات الجهاد، وبذل مايملكه من أجل دعوة الاسلام.
لقد قاد السلطان مراد الشعب العثماني ثلاثين سنة بكل حكمة ومهارة لا يضاهيه فيها احد من ساسة عصره قال المؤرخ البيزنطي هالكو نديلاس عن مراد الأول : (قام مراد بأعمال هامة كثيرة. دخل 37 معركة سواء في الاناضول أو في البلقان ، وخرج منها جميعاً ظافراً، وكان يعامل رعيته معاملة شفوقة دون النظر لفوارق العرق والدين)( ).
ويقول عنه المؤرخ الفرنسي كرينارد: (كان مراد واحداً من اكبر رجالات آل عثمان ، وإذا قوّمنا تقويماً شخصياً ، نجده في مستوى أعلى من كل حكام أوروبا في عهده)( ).
لقد ورث مراد الأول عن والده إمارة كبيرة بلغت 95.000كيلومتر مربع وعند استشهاده ، تسلم أبنه بايزيد هذه الامارة العثمانية بعد أن بلغت 500.000كليومتر مربع بمعنى أنها زادت في مدى حوالي 29 سنة أكثر خمسة أمثال ماتركها له والده أوروخان( ).
أما النتائج التي ترتبت على انتصار المسلمين في معركة قوصوه ما يلي:
1. انتشار الاسلام في منطقة البلقان وتحول عدد كبير من الأشراف القدامى والشيوخ الى الاسلام بمحض إرادتهم .
2. اضطرت العديد من الدول الأوروبية الى أن تخطب ود الدولة العثمانية ، فبادرت بعضها بدفع الجزية لهم، وقام البعض الآخر بإعلان ولائه للعثمانيين خشية قوتهم واتقاء غضبهم.
3. أمتدت سلطة العثمانيين على أمراء المجر ورومانيا والمناطق المجاورة للإدرياتيك حتى وصل نفوذهم الى ألبانيا( ).

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عبدالعظيم الجزار
عماري أصيل
عماري أصيل
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 503
العمر : 44
المكان : العمار الكبرى
الحالة : بحب العمار وأهل العمار
الهواية : القراءة
تاريخ التسجيل : 05/03/2008
التـقــييــم : 0

مُساهمةموضوع: رد: الدولة العثمانية -عوامل النهوض وأسباب السقوط- د/علي محمد محمد الصلابي   الجمعة 12 أغسطس 2011, 11:47 pm

المبحث الرابع
السلطان بايزيد الأول
791-805 هـ/1389-1402م

بعد استشهاد السلطان مراد تولى الحكم أبنه بايزيد، وكان شجاعاً شهماً كريماً متحمساً للفتوحات الاسلامية، ولذلك أهتم اهتماماً كبيراً بالشؤون العسكرية فاستهدف الإمارات المسيحية في الاناضول وخلال عام اصبحت تابعة للدولة العثمانية ، وكان بايزيد كمثل البرق في تحركاته بين الجبهتين البلقانية والأناضولية ولذلك أطلق عليه لقب "الصاعقة"( ).
أولاً: سياسته مع الصرب:
شرع بايزيد في إقامة علاقات ودية مع الصرب مع أنهم كانوا السبب في قيام تحالف بلقاني ضد الدولة العثمانية وكان غرض بايزيد من هذه العلاقة اتخاذ دولة الصرب كحاجز بينه وبين المجر، وكان يشعر بضرورة اتخاذ حليف له في سياسته العسكرية النشطة التي استهدفت الامارات السلجوقية التركية الاسلامية في آسيا الصغرى ولذلك وافق بايزيد على أن يحكم الصرب ابنا الملك (لازار) الذي قتل في معركة قوصوة وفرض عليهما أن يكونا حاكمين على صربيا، يحكمانها حسب قوانين بلاد الصرب واعرافها وتقاليدها وعاداتها، وأن يدينان له بالولاء ويقدمان له جزية وعدداً معيناً من الجنود يشتركون في فرقة خاصة بهم في حروية( ) وتزوج ابنة الملك لازار.
ثانياً: اخضاع بلغاريا للسيادة العثمانية:
بعد أن تم التفاهم مع الصرب وجه بايزيد ضربه خاطفة في عام (797هـ/1393م) الى بلغاريا، فاستولى عليها وإخضع سكانها ، وبذلك فقدت البلاد استقلالها السياسي. وكان لسقوط بلغاريا في قبضة الدولة العثمانية صدى هائل في أوروبا وانتشر الرعب والفزع والخوف أنحاءها وتحركت القوى المسيحية الصليبية للقضاء على الوجود العثماني في البلقان( ).
ثالثاً: التكتل الدولي المسيحي الصليبي ضد الدولة العثمانية:
قام سيجسموند ملك المجر والبابا بونيفاس التاسع بالدعوة لتكتل اوروبي صليبي مسيحي ضد الدولة العثمانية وكان ذلك التكتل من أكبر التكتلات التي واجهتها الدولة العثمانية في القرن الرابع عشر، من حيث عدد الدول التي اشتركت فيه، ثم أسهمت فيه بالسلاح والعتاد والأموال والقوات وبلغ العدد الاجمالي لهذه الحملة الصليبية 120.000 مقاتل من مختلف الجنسيات (ألمانيا وفرنسا إنجلترا واسكتلندا وسويسرا ولوكسمبرج والأراضي المنخفضة الجنوبية وبعض الامارات الايطالية)( ).
وتحركت الحملة عام (800هـ/1396م) الى المجر، ولكن زعمائها وقادتها اختلفوا مع سيجسموند قبل بدء المعركة. فقد كان سيجسموند يؤثر الانتظار حتى يبدأ العثمانيون الهجوم، ولكن قواد الحملة شرعوا بالهجوم، وانحدروا مع نهر الدانوب حتى وصلوا الى نيكوبوليس شمال البلقان وبدؤوا في حصارها وتغلبوا في أول الأمر على القوات العثمانية، إلا أن بايزيد ظهر فجأة ومعه حوالي مئة ألف جندي، وهو عدد يقل قليلاً عن التكتل الأوروبي الصليبي، ولكنه يتفوق عليهم نظاماً وسلاحاً ، فانهزم معظم النصارى ولاذوا بالفرار والهروب وقتل وأسر عدد من قادتهم. وخرج العثمانيون من معركة نيكوبوليس بغنائم كثيرة وفيرة واستولوا على ذخائر العدو( ). وفي نشوة النصر والظفر قال السلطان بايزيد انه سيفتح ايطاليا ويطعم حصانه الشعير في مذبح القديس بطرس برومة( ).
لقد وقع كثير من اشراف فرنسا منهم الكونت دي نيفر نفسه في الأسر ، فقبل السلطان بايزيد دفع الفدية وأطلق سراح الأسرى والكونت دي ينفر وكان قد ألزم بالقسم على أن لا يعود لمحاربته قال له أني أجيز لك أن لاتحفظ هذا اليمين فأنت في حل من الرجوع لمحاربتي إذ لاشيء أحب إليّ من محاربة جميع مسيحي أوروبا والانتصار عليهم( ).
أما سجسموند ملك المجر كان قد بلغ به الغرور والاعتداد بجيشه وقوته أن قال: لو انقضت السماء عليائها لأمسكناها بحرابنا - فقد ولى هارباً ومعه رئيس فرسان رودس ولما بلغا في فرارهما شاطئ البحر الأسود وجد هناك الأسطول النصراني فوثبا على احدى السفن وفرت بهما مسرعة لا تلوي على شيء وتضاءلت مكانة المجر في عيون المجتمع الأوروبي بعد معركة نيكويوليس وتبخر ما كان يحيط بها من هيبة ورهبة( ) لقد كان ذلك النصر المظفر له أثر على بايزيد والمجتمع الاسلامي، فقام بايزيد ببعث رسائل الى كبار حكام الشرق الأسلامي يبشرهم بالانتصار العظيم على النصارى، واصطحب الرسل معهم الى بلاطات ملوك المسلمين مجموعة منتقاة من الأسرى المسيحين باعتبارهم هدايا من المنتصر ودليلاً مادياً على انتصاره. واتخذ بايزيد لقب (سلطان الروم) كدليل على وراثته لدولة السلاجقة وسيطرته على كل شبه جزيرة الأناضول. كما أرسل الى الخليفة العباسي المقيم بالقاهرة يطلب منه أن يقر هذا اللقب حتى يتسنى له بذلك أن يسبغ على السلطة التي مارسها هو وأجداده من قبل طابعاً شرعياً رسمياً فتزداد هيبته في العالم الاسلامي، وبالطبع وافق السلطان المملوكي برقوق حامي الخليفة العباسي على هذا الطلب لأنه يرى بايزيد حليفه الوحيد ضد قوات تيمورلنك التي كانت تهدد الدولة المملوكية والعثمانية وهاجر الى الاناضول آلاف المسلمين الذين قدموا لخدمة الدولة العثمانية ، وكانت الهجرة مليئة بالجنود وممن أسهموا في الحياة الاقتصادية والعلمية والحكومية في إيران والعراق ومارواء النهر- هذا بالاضافة الى الجموع التي فرت من أمام الزحف التيمورلنكي على آسيا الوسطى( ).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عبدالعظيم الجزار
عماري أصيل
عماري أصيل
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 503
العمر : 44
المكان : العمار الكبرى
الحالة : بحب العمار وأهل العمار
الهواية : القراءة
تاريخ التسجيل : 05/03/2008
التـقــييــم : 0

مُساهمةموضوع: رد: الدولة العثمانية -عوامل النهوض وأسباب السقوط- د/علي محمد محمد الصلابي   الجمعة 12 أغسطس 2011, 11:53 pm

رابعاً: حصار القسطنطينية:
استطاع بايزيد قبل معركة نيكوبوليس أن يشدد النكير على الامبراطورية البيزنطية وأن يفرض على الامبراطور أن يعين قاضياً في القسطنطينية للفصل في شؤون المسلمين وما لبث أن حاصر العاصمة البيزنطية وقبل الامبراطور إيجاد محكمة اسلامية وبناء مسجد وتخصيص 700 منزل داخل المدينة للجالية الاسلامية، كما تنازل لبايزيد عن نصف حي غلطة الذي وضعت فيه حامية عثمانية قوامها 6.000 جندي وزيد الجزية المفروضة على الدولة البيزنطية، وفرضت الخزانة العثمانية رسوماً على الكروم ومزارع الخضروات الواقعة خارج المدينة. وأخذت المآذن تنقل الآذان الى العاصمة البيزنطية( ).
وبعد الانتصار العظيم الذي حققه العثمانيون في معركة نيكوبوليس ثبت العثمانيون أقدامهم في البلقان، حيث انتشر الخوف والرعب بين الشعوب البلقانية، وخضعت البوسنة وبلغاريا الى الدولة العثمانية واستمر الجنود العثمانيون يتتبعون فلول النصارى في ارتدادهم . وعاقب السلطان بايزيد حكام شبه جزيرة المورة الذين قدموا مساعدة عسكرية للحلف الصليبي( ) وعقاباً للامبراطور البيزنطي على موقفه المعادي طلب بايزيد منه أن يسلم القسطنطينية وإزاء ذلك استنجد الامبراطور مانويل بأوروبا دون جدوى. والحق أن الاستيلاء على القسطنطينية كان هدفاً رئيسياً في البرنامج الجهادي للسلطان بايزيد الاول. ولذلك فقد تحرك على رأس جيوشه وضرب حصاراً محكماً حول العاصمة البيزنطية وضغط عليها ضغطاً لاهوادة فيه واستمر الحصار حتى اشرفت المدينة في نهايتها على السقوط- بينما كانت أوروبا تنظر سقوط العاصمة العتيدة بين يوم وآخر إذا السلطان ينصرف عن فتح القسطنطينية لظهور خطر جديد على الدولة العثمانية( ).
خامساً: الصدام بين تيمورلنك وبايزيد:
ينتمي تيمورلنك الى الأسر النبيلة في بلاد ماوراء النهر ، وفي عام 1369م جلس على عرش خراسان وقاعدته سمرقند. واستطاع أن يتوسع بجيوشه الرهيبة وأن يهيمن على القسم الأكبر من العالم الاسلامي؛ فقد انتشرت قواته الضخمة في آسيا من دلهي الى دمشق، ومن بحر آرال الى الخليج العربي وأحتل فارس وأرمينيا وأعالي الفرات ودجلة والمناطق الواقعة بين بحر قزوين الى البحر الأسود وفي روسيا سيطر على المناطق الممتدة بين أنهار الفولجا والدون والدنيبر وأعلن بأنه سيسيطر على الأرض المسكونة ويجعلها ملكاً له وكان يردد: "أنه يجب ألا يوجد سوى سيد واحد على الارض طالما أنه لايوجد إلا إله واحد في السماء"( ) وقد اتصف تيمورلنك بالشجاعة والعبقرية الحربية والمهارة السياسية وكان قبل أن يقرر أمر أن يجمع المعلومات ويرسل الجواسيس ثم يصدر أوامره بعد تروي وتأني بعيدة عن العجلة وكان من الهيبة بحيث أن جنوده كانوا يطيعون أوامره أيا كانت.
وكان تيمور باعتباره مسلماً يرعى العلماء ورجال الدين وبخاصة اتباع الطريقة النقشبندية( ).
وكانت هناك عوامل واسباب ساهمت في إيجاد صراع بين تيمورلنك وبايزيد منها:
1. لجأ أمراء العراق الذين استولى تيمور على بلادهم الى بايزيد، كما لجأ الى تيمور بعض أمراء آسيا الصغرى - وفي كلا الجانبين كان اللاجئون يحرضون من استجاروا به على شن الحرب ضد الطرف الآخر .
2. تشجيع النصارى لتيمورلنك ودفعه للقضاء على بايزيد .
3. الرسائل النارية بين الطرفين ، ففي إحدى الرسائل التي بعث بها تيمور الى بايزيد أهانه ضمنياً حين ذكّره بغموض أصل أسرته ، وعرض عليه العفو على أعتبار أن آل عثمان قد قدموا خدمات جليلة الى الاسلام، ولو أنه اختتم رسالته -بصفته زعيماً للترك- باستصغار شأن بايزيد الذي قبل التحدي وصرح بأنه سيتعقب تيمور الى تبريز وسلطانية( ).
وكان الزعيمان تيمور لنك وبايزيد يسعى كل منهما لتوسيع دولته .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عبدالعظيم الجزار
عماري أصيل
عماري أصيل
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 503
العمر : 44
المكان : العمار الكبرى
الحالة : بحب العمار وأهل العمار
الهواية : القراءة
تاريخ التسجيل : 05/03/2008
التـقــييــم : 0

مُساهمةموضوع: رد: الدولة العثمانية -عوامل النهوض وأسباب السقوط- د/علي محمد محمد الصلابي   الأربعاء 22 يونيو 2016, 11:36 am

سادساً: انهيار الدولة العثمانية:
تقدم تيمورلنك بجيوشه واحتل سيواس، وأباد حاميتها التي كان يقودها الامير أرطغرل بن بايزيد والتقى الجيشان قرب أنقرة في عام 804هـ/1402م وكانت قوات بايزيد تبلغ 120.000 مجاهد لملاقاة خصمه وزحف تيمورلنك على رأس قوات جرارة في 20 يوليو 1402 (804هـ) وانتصر المغول ووقع بايزيد في الأسر وظل يرسف في أغلاله حتى وافاه الأجل في السنة التالية.
وكانت الهزيمة بسبب اندفاع وعجلة بايزيد فلم يحسن اختيار المكان الذي نزل فيه بجيشه الذي لم يكن يزيد عن مئة وعشرين ألف مقاتل بينما كان جيش خصمه لا يقل عن ثمانمائة ألف، ومات كثير من جنود بايزيد عطشاً لقلة الماء وكان الوقت صيفاً شديد القيظ. ولم يكد يلتقي الجيشان في انقرة حتى فر الجنود التتار الذين كانوا في جيش يزيد وجنود الامارات الآسيوية التي فتحها منذ عهد قريب وانضموا الى جيش تيمورلنك ولم يجد السلطان العثماني بعد ذلك ما اظهره هو وبقية جيشه من الشجاعة والاستماتة في القتال.
لقد فرحت الدول النصرانية في الغرب بنصر تيمورلنك وهزها الطرب لمصرع بايزيد وماآلت إليه دولته من التفكك والانحلال وبعث ملوك انجلترا وفرنسا وقشتالة وامبراطور القسطنطينية الى تيمورلنك يهنئونه على ما احرزه من النصر العظيم والظفر المجيد واعتقدت أوروبا انها قد تخلصت الى الابد من الخطر العثماني الذي طالما روعها وهددها.
واستولى تيمورلنك بعد هزيمة بايزيد على ازنيق وبروسة وغيرها من المدن والحصون ثم دك اسوار ازمير وخلصها من قبضة فرسان رودس (فرسان القديس يوحنا) ، محاولاً بذلك أن يبرر موقفه أمام الرأي العام الاسلامي الذي أتهمه بأنه وجه ضربة شديدة الى الاسلام بقضائه على الدولة العثمانية وحاول تيمورلنك بقتاله لفرسان القديس يوحنا أن يضفي على معارك الأناضول طابع الجهاد.
كما أعاد تيمورلنك أمراء آسيا الصغرى الى أملاكهم السابقة، ومن ثم استرجاع الامارات التي ضمها بايزيد لاستقلالها كما بذر تيمور بذور الشقاق بين أبناء بايزيد المتنازعين على العرش.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الدولة العثمانية -عوامل النهوض وأسباب السقوط- د/علي محمد محمد الصلابي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
شبـــاب العمـــــار :: واحــة الإســـلام :: التاريخ الإسلامي-
انتقل الى: